أكتوبر 9, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“انا شوفت آثار اقدام محفورة بالدم متجهة ناحية المقابر”

بقلم: أحمد محمود شرقاوي
بتحس وقتها بقشعريرة بتمسك في جسمك وبرد بينهش في عمودك الفقري من جوة، وكأن المجهول واقف قدامك على هيئة فوهة بركان بتقولك تعالى، تعالى عشان تشوف كل المستخبي عن عنيك، تعالى عشان تشوف الجحيم ذات نفسه..
……….
موقف واحد كفيل انه يخليك عايش زي المخبول طول حياتك، موقف ممكن يدمر كل حاجة جواك ويخليك تجري عشان تتعالج من كمية أمراض نفسية ممكن تاكل في روحك وعقلك وقلبك..
وانا مريت بموقف من المواقف دي، وفضلت سنين من عمري بتعالج نفسيا، وطرقت كل أبواب الدكاترة النفسيين، لحد ما قرر كيان رهيب يتدخل في حياتي ويعالجني بنفسه..
يومها كنت راجع من الجامعة بالليل، واليوم اللي برجع فيه بعد العصر وبنزل على مدخل بلدنا بيبقا صعب اوي الاقي حاجة تدخلني لجوة، وبضطر اتمشاها من الأراضي الزراعية لحد ما اوصل لجوة البلد..
وكالعادة وقفت على مدخل البلد ومفيش أي حاجة بتقف، كلها عربيات ضخمة رايحة للمحاجر عشان تنقل حجارة، وحتى لو ركبت معاهم فهضطر اتمشى برضه، عشان كدا روحت داخل في قلب الغيط اللي قدامي عشان انجز في المشوار، ومش عارف ليه وقتها بدأت افتكر تفاصيل حياتي..
حياتي اللي كلها بتقف عند اليوم اياه، وبالأخص عند الصرخة ونظرة العين، الصرخة اللي بتطاردني في حياتي لحد انهاردة، وللأسف مفيش ولا دكتور عرف يعالجني منها، ده غير الكوابيس اللي مش قادر اتخلص منها لحد انهاردة، كله بسبب نظرة العين والصرخة..
في اللحظة دي شوفت آثار أقدام في الأرض اللي قدامي واللي كانت مسقية من قريب فسهل اوي الاثار تظهر في طين الأرض، بس الغريب إن الأثار دي كانت دموية، وكأن الشخص اللي مشي من هنا كانت رجليه بتنزف دم..
جسمي بدأ يترعش وشكلي هدخل في نوبة جديدة، وبدأت بسرعة افتكر كلام الدكتور، ان ده مش حقيقي ولازم اتفادى الأوهام ومصدقش اللي بسمعه واشوفه، بس ازاي هكدب عنيا اللي شايفة ده..
بصيت ورايا هناك عند الكوبري واترعشت اكتر، انا ايه اللي جابني هنا، انا غبي، غبييييي، بدأت بدون وعي مني امشي ورا أثار الاقدام عشان ابعد عن الكوبري واعدي من الكوبري اللي بعده، وبدأت اغرز في الطين وبنطلوني يتلون باللون الاسود، بس مكنتش دي مشكلتي، انا خايف أقع في نوبة، والمكان هنا مش هيساعدني اطلاقا..
كملت مشي ورجلي عمالة تغرز اكتر، المشي بقا صعب جدا وانا عمال انهج وجسمي يترعش اكتر واكتر، في النهاية شوفت راجل على أول الأرض مديني ضهره ومكمل مشي..
واكتشفت ان هو صاحب الأثار دي، بصيت لرجليه لقيته حافي وبيسيب اثار فيها دم، في الوقت ده هديت شوية لما بعدت عن الكوبري اياه، وحسيت بالفضول عشان أشوف الراجل ده رايح فين..
كملت مشي وراه لحد ما لقيته داخل في قلب المقابر، المقابر القديمة اللي جمب الساقية واللي بقالها زمن محدش دفن فيها بعد ما خصصوا حتة تانية للدفن، حاولت أرجع مكملش بس مقدرتش..
في الوقت ده الشمس كانت بتميل ناحية الغروب، والمقابر كانت قديمة، متهالكة جدا، تحس انها هتنهار مع اول لمسة، كل ده والراجل كان مكمل مشي مبيقفش، راقبته واحدة واحدة لحد ما في لحظة اختفى من قدام عنيا وبالأخص قدام المقبرة اللي هناك دي..
مسكتني برودة عجيبة وحسيت اني هقع مكاني، هو انا وصلت للمرحلة دي من الجنون، انا بقيت أشوف الحاجة وتختفي بالسهولة دي، قربت من المقبرة اللي اختفى عندها الراجل ولقيت اسم مكتوب
“محمد محمود ابوجبل”
فضلت باصص للإسم اللي قرأته بصعوبة على الجدار المتهالك وبعدها….
في لحظة لقيته واقف ورايا، نفس الراجل، بس عنيه كانت بيضا اوي، شهقت من الفزع ورجعت لورا وانا باصص له وقلبي هيطلع من مكانه، فضل واقف يبصلي ببياض عنيه بكل ثبات..
قلبي كان هيقف وجسمي كان بيتنفض ولساني مشلول، لحظات بس وبدأ دم ينزل من رقبته، وكأن فيه جرح بيظهر واحدة واحدة، وبدأ الجرح يزيد ويكبر اكتر واكتر لحد ما وقعت الراس من مكانها..
في اللحظة دي بس قدرت أصرخ واجري من المكان كله، كنت في حالة رهيبة من الفزع، وقعت في الأرض الطينية وجسمي كله اتوسخ بالطين، لدرجة اني زحفت في قلب الطين عشان أخرج منه، وبعد دقايق خرجت من الأرض..
و
ولقيت نفسي عند نفس الكوبري اللي كنت دايما بتحاشاه، وفجأة سمعت صوت صراخ، واحد بيجري وبيصرخ ومن وراه واحد ماسك خنجر وبيجري وراه، في اللحظة دي كان بيعدي الكوبري ولحقه اللي ماسك الخنجر..
وبكل غضب الدنيا دبحه قدام عنيا، دبحه وفصل راسه عن جسمه، كل ده والجسم عمال يتنفض ويتنفض، وكان هناك، طفل شايل شنطة على ضهره وواقف مذهول قدام الكوبري بيبص للقتيل..
عنين الطفل كانت باصة لعنين الراجل وهو بيتدبح ويصرخ، وجري الطفل واستخبى تحت الكوبري، جسمه اتلطخ بالطين وجسمه اتنفض مرة واتنين، واختفى المشهد كله..
ووقعت انا في الأرض، وغصب عني رجعت افتكر من تاني، افتكر الموقف اللي دمر حياتي كلها وخلاني مريض نفسي لحد انهاردة بشوف هلاوس وكوابيس..
يومها هربنا من المدرسة وروحنا ناحية شجرة التوت عشان ناكل توت، كان عندي ١٠ سنين، خدت شنطتي على كتفي وروحنا ناحية الشجرة، وعلى الكوبري ده شوفت كل اللي حصل، واحد بيجري ورا واحد تاتي، اصحابي كلهم خافوا وهربوا، انا الوحيد اللي شوفت كل حاجة..
شوفت واحد بيدبح واحد وبيفصل راسه عن جسمه، شوفت القتيل وهو بيبصلي وبيصرخ وبيتنفض، سمعت صرخته وحشرجة صوته وقت الموت، نظرات عنيه لسة فاكرها وشايفها لحد انهاردة..
وقفت على الكوبري أبكي غصب عني، ياما حاولت أهرب من الذكرى دي مقدرتش، في اللحظة دي شوفته من تاني، نفس الراجل اللي شوفته في المقابر، كان واقف بعنيه البيضا قدام الكوبري الناحية التانية، وشوفته بيشاور على الكوبري، وقتها بس اكتشفت الكارثة..
هو ده الراجل اللي شوفته بيدبح من ١٠ سنين هنا، هو نفسه اللي قابلته في المقابر من شوية، هو انا اتجننت ولا هو فعلا جايلي بعد ١٠ سنين يخوفني..
طيب كنت هدافع عنه ازاي من الأساس، لقيته بيقرب مني وبيطلع صوت زي صوت حشرجة الروح، مقدرتش استنا لحظة زيادة وجريت زي المجنون ناحية البيت..
كان وقتها الليل نزل وعرفت أروح من غير ماحد يشوقني متبهدل بالطين كدا..
دخلت بيتنا وعلى اوضتي فورا، استحميت وغيرت هدومي واستنيت والدي، وبعد ساعة كنت قاعد معاه وحاولت استدرجه بالكلام..
– بابا انت تعرف حد اسمه محمد محمود أبو جبل
بصلي بصة غريبة وبعدها فكر شوية وقال:
– الله يرحمه انت جبت اسمه منين
– واحد صاحبي اتكلم عنه انهاردة فقولت ازاي من بلدنا وانا معرفوش
– عايز تعرف حكايته يعني
– ياريت
– يابني احنا لسة بنعالجك من ساعة ما حصلت لك حادثة منعرفش سببها فبلاش احكيلك حاجات زي دي
– معلش يا بابا عشان خاطري
لقيته خد نفس عميق وقال:
محمد ده راجل غلبان سكن في بلدنا من زمان اوي، وكان شغال عامل بالأجرة في الغيطان، يزرع، يحصد، يسقي الأرض وهكذا، وفي يوم راجع بالعربية والحمار بيجرها، وفي عيل صغير كان بيلعب تحت العربية، محمد مشافوش والعربية هرست الواد وقتلته..
محمد كان مرعوب، خد الواد للمستشفى بس الواد كان مات، جري يستنجد بكبار البلد عشان أبو الواد اللي مات من عيلة كبيرة وخاف يقتلوه، بس الناس اتدخلت بعد ايام واتعمل صُلح بصفته قتل خطأ..
بس أبو الواد كان راجل اعوذ بالله منه، بعد الصُلح اتربص بمحمد وقتله، بيقولوا دبحه وفصل راسه عن جسمه وخفى الجثمان ومحدش عرف عن الجثة حاجة، وبما ان الراجل غلبان فمحدش اتهم أبو الواد لما الراجل اختفى، مع ان الكل كان متأكد انه قتل محمد وفيه شهود شافوه واتكلموا
– مين الراجل ده يا بابا اللي قتله
– عمك سعداوي يابني لو تعرفه
ورجع المشهد قدامي من تاني، وافتكرت، فعلا كان عم سعداوي الراجل صاحب الفرن هو اللي قتل قدامي، يمكن الصدمة خلتني انسى بس حاليا انا افتكرت..
ليه الغدر بعد الصُلح، وليه الراجل مرضيش بقدر ربنا، حسبي الله ونعم الوكيل، دخلت انام أو حاولت..
بس للأسف شوفت المشهد من تاني بس أوضح، سعداوي بيجري ورا محمد على الكوبري وبيدبحه، وبعدها محمد قام يدور على راسه ومسكها ركبها تاني ووقف يبصلي ويبكي بدموع من دم..
وفضلت على الحال ده أيام، لحد ما في ليلة شوفت نفس الحلم من تاني، بس وقتها شوفت الجثة واقفة قدامي بتنزف دم وبتشاور على سعداوي وبعدها شاورت على الكوبري..
صحيت من نومي عرقان وقلبي بيدق بعنف، بس المرعب اني شوفت محمد قدام سريري، عنيه بيضا ورقبته بتنزف دم، وقتها فضلت اتنفض مكاني من الرعب وانا شايفه بيشاور ناحية الكوبري، وكأني بقيت نايم جمب الكوبري مش في اوضتي..
واتنفضت من تاني وصحيت بجد، وقتها بس فهمت، الجثة عايزاني اخلي سعداوي يروح هناك، ومش هتسبني غير لما أعمل كدا، وليه لا، مهو سعداوي ده السبب في الصدمة اللي خلتني لحد النهاردة عايش زي المجانين..
وجتلي الفكرة الجهنمية، كنت بروح للملعب اللي العيال بتحجز فيه حجز كورة، استنيت في ليلة لما ابن سعداوي راح يلعب مع العيال بليل، ووقفت اراقب تليفوناتهم وهما بيدوها للراجل بتاع الملعب أمانات، وقتها جريت على محل صغير تحت البيت كان عنده تليفون، طبعا بعد ما روحت جبت رقم سعداوي من على الفرن بتاعه، اتصلت بيه وانا واقف بعيد عن صاحب المحل وقولتله إن ابنه مغمى عليه ومرمي عند الكوبري اللي عند الساقية..
طبعا هيرن على ابنه مش هيرد عليه عشان بيلعب كورة، وراقبت بيته واستنيت، لحظات وخرج يجري زي المجنون ناحية الكوبري اياه، ولقيت فضولي سايقني وراه، الجو كان ليل ومحدش شايف حاجة، بس انا كنت حافظ الطريق، ليلتها بس سمعت صرخة جديدة، صرخة رعب من سعداوي فوق الكوبري، مشوفتش حاجة بسبب الضلمة غير عنين بيضا بصت ناحيتي لحظات واختفت..
ورجعت اجري للبيت، واللي حصل بعدها ان سعداوي اتجاب ميت من فوق الكوبري، بيقولوا ان وشه كان اسود وبقه مفتوح على أخره من الرعب، والأغرب اني اتعافيت بعد صرخة سعداوي..
وكأني زي ما تعبت بسبب صرخة محمد المظلوم، اتعافيت بسبب صرخة سعداوي الظالم، ومش عارف ازاي وبعد ١٠ سنين قرين القتيل فضل مستني عشان يبدأ يوضحلي الحقيقة، بس فعلا ده عالم معقد صعب تفهم فيه حاجة..
……….
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا