بقلم: أحمد محمود شرقاوي
وكأنها لحظة بتروح فيها في النوم عشان تصحا تلاقي نفسك متكتف ومش قادر تتحرك، تهمس، عقلك بيتشل لحظات طويلة، بس بعدها بيشتغل من تاني، وقتها بس بتعرف انك ادفنت حي، وان اللي تحتك دي رملة مش مرتبة، وقتها بس هتعرف يعني ايه شعرك يشيب..
………
يومها حسيت بخمول غريب، صداع عمال ينهش في راسي وشايف دوامة بيضا عمالة تلف حولين عقلي، صوت صفير جاي من بعيد وجسمي عمال يتقل ويتقل، رجليا اتخشبت مكانها وبدأ ظلام عجيب يدور من حوليا، لحظات بس قدرت استوعب فيها إني قدام السرير، ووقعت من طولي عليه ونمت، نمت وكأني منمتش في حياتي قبل كدا..
نوم طويل وكأني نمت عشر سنين كاملين، شوفت شريط عمري بيمر قدام عنيا كأني بتفرج على شاشة سينما، شوفت كل لحظة وكل دقيقة من حياتي، شوفت ابويا وامي الله يرحمهم وحتى مراتي اللي ماتت كانت موجودة، وبدون مقدمات صحيت..
فتحت عنيا لقيت قدامي ظلام غريب، استحالة يكون نور الاوضة مطفي بس لأني عمري ما شوفت ظلام بالطريقة دي، المصيبة إن فيه صمت غريب، صمت سمعت له صوت صفير طويل، فضلت فاتح عنيا وصامت خالص، مش قادر حتى أفكر، استوعب..
انا اتعميت ومبقتش اسمع ولا ايه ؟؟
حاولت اتحرك من مكاني مقدرتش، كأني جسمي كله مربوط بسلاسل منعاني اني حتى أعرف اخود نفسي، غير الحاجة اللي طعمها مُر ومحشورة في زوري ومش قادر اتنفس بسببها، فضلت مكاني بنوح بصوت ضعيف جدا..
مش قادر افهم انا فين وازاي بيحصلي كدا، انا في النار ولا في كابوس مخيف مش قادر أصحا منه، دموعي نزلت من الخوف وفضلت انهج واخود أنفاسي بطلوع الروح، حاسس ان انفاسي هتقف دلوقتي وقلبي هيقف من التوتر..
وبدأت اناديه، هو اللي عالم بحالي، بقالي دقايق على الوضع ده وكأني محبوس تحت الأرض، يارب، يارب..
وبدأت أحاول اتحرك من تاني، أحاول وانازع بكل قوتي، دراعي لازق في جسمي بطريقة رهيبة، وكأنه متخيط في جنبي، ااااااااه
ياااااااارب
حاولت من تاني اسحب دراعي من الزنقة دي وأخيرا قدرت اسحبه لفوق شوية، وبدأت أتحسس الأرض من تحتي..
اي ده ؟؟
دي حاجة عاملة زي الرملة، انا فييين ؟؟
ومسافة ما جالي هاجس إني ممكن أكون مدفون جوة قبر شعر جسمي كله وقف وحسيت بكهربا عجيبة بتمسك في جسمي كله، صدري بقا بيتحرك بعشوائية وعمال أشهق واشهق بعنف شديد..
ياااااااااااااااارررررررب
أتوسل إليك ياااااااااارب متسبنيش
يااااااارب أنا خايف يااااااااااارب متسبنيش
وبكل قوتي بدأت أخربش في الحاجة اللي مكتفاني دي، وحسيت بيها في النهاية، قماش صلب مربوط بيه جسمي كله، يارب ما يكون كفن، يارب أكون بحلم وبس..
وبكل رعب الدنيا بدأت أغرز ضوافري في الكفن واحاول اقطعه، ومن قوة خربشتي ورعبي حسيت بسائل دافي بينزل من ضوافري، عرفت انه دم، بس مكنش ينفع أقف اطلاقا، فضلت أخربش وانادي جوايا يارب، يارب، كنت عارف إن استحالة الكفن يتقطع بضوافري لإن قماشه قوي، بس انا بنادي رب المستحيل..
دقايق طويلة ونار بتاكل في ضوافري من الوجع وانا عمال أخربش اكتر واكتر، وفي لحظة حسيت بصباع من صوابعي بيعدي من الكفن، وبدات أنفاسي تسرع اكتر، الهوا مبيدخلش لصدري وحاسس اني بتخنق..
بموووووووت..
ياااااااارب..
وبكل رغبة مني في الحياة قطعت الكفن من فوق مني واتحررت، خرج دراعي كله، اتحسست على جسمي وحسيت بالعقُد المربوط بيها الكفن، أنفاسي خلاص بتنتهي، بمووووت، وبإيد ناشفة زي الخشب من الرعب فكيت الكام عقدة وخرجت من قلب الكفن، وفي لحظة فتحت بقي وخرجت منه كتلة كبيرة من القطن..
و
هاااااااااااااا

صرخت صرخة واحد بيحتضر وخدت نفس طويل مليت بيه صدري، ووقفت مكاني ووقعت في لحظتها لأني حسيت بدوار غريب..
حاسس بنفس الكهربا بتاكل في جلدي وقشعرة غريبة ماسكة شعري، مش مصدق اني جوة قبر، الضلمة مخيفة والصمت مرعب، فضلت مرمي مكاني بشهق وبتنفض..
انا مدفون حي ؟؟
انا بمووووووت ؟؟
انا جوة مقبرة ؟؟
ازاي ولادي هان عليهم يرموني حي جوة مقبرة ؟؟
وزحفت ناحية باب القبر، مكنتش شايف غير بحر من الضلمة، بزحف زي المشلول وجسمي كله ناشف زي الحجر، ريقي وكأنه زي الأرض البور اللي مشافتش مية من سنين..
جسمي كله بيتنفض وايديا ورجلي بيتحركوا في كل اتجاه كل كام لحظة، زحفت اكتر واكتر وانا بدعيه ينجيني مرة واتنين، وبعد وقت كبير ايدي لمست حاجة حديد..
أكيد ده الباب، حاولت أشده بس الباب مبيفتحش، حاولت تاني مقدرتش، خدت انفاسي وضربت بكف ايدي على الباب بضعف شديد..
الحقووووني، يا عباد الله الحقوووووني
صوتي مبيطلعش، مجرد حشرجة عجيبة، حاولت تاني صوتي مخرجش..
ااااااه، بدوخ من تاني، هموت خلاص، يارب انا كنت بتصدق لست غلبانة كل شهر، اتوسل إليك بالعمل ده تنجيني، يارب مش عايز تكون دي نهايتي، يارب انت رحيم أرجووووك..
ورفعت إيدي من تاني وضربت على الباب بكف ايدي، في اللحظة دي اتشل جسمي كله وشهقت بكل قوتي لما سمعت صوت من ورايا..
صوت حاجة بتزحف وجاية ناحيتي، شهقت من تاني وبدأ جسمي يتنفض مرة واتنين وتلاتة، وصوت الزحف جاي يقرب من تاني، في اللحظة دي اتفزعت لما سمعت خبط على باب القبر من برة وصوت بيقول:
– مين اللي جوة انطق
ايوووة، ايوووووة ده صوت عبدالعزيز التربي، يارب اقدر اتكلم، يارب لساني كان بيذكرك كتير خليه يقدر يتكلم، وبصوت واهن همست:
– الحقنييي يا عبدالعزيز أنا ممدوح
سمعت صوت من برة بيقول:
– أعوذ بالله من الشيطان الرجيم انت حي ولا ميت يا ممدوح
وقبل ما ارد عليه وفي لحظة قبضت ايد قوية على رجلي، ايد عاملة زي لوح التلج، وصرخت بأعلى صوت، صرخت بصوت خشن، وكأني بتعذب في قلب الجحيم:
– الحقني يا عبدالعزيز ابوس ايدك هموووووت، أبوس ايدك الحقنييييييييييييييييي، يا عبدالعزيز هموووووووت
في اللحظة دي بدأت حاجة تسحبني من رجلي لجوة القبر، وبدأت اسمع صوت حشرجة، كأن فيه حد بيطلع في الروح
– الحقنيييييييييي همووووووووووووت الحقنييييييي
في اللحظة دي اتفتح باب المقبرة وحسيت بإيد قوية بتسحبني لبرة بكل قوتها واتحررت من الإيد اللي كانت ماسكة في رجلي..
وقعت برة المقبرة وانا بتنفض، الهوا بيضرب جسمي العريان اللي عمال يتحرك زي اللي عنده صرع، وسمعت صوت عبدالعزيز عمال يستعيذ بالله من الشيطان وواقف قدامي مش قادر يتحرك..
كل اللي عملته اني بصيت له ودموعي نزلت زي السيل مرة واحدة وقولت:
– ساعدني متسبنيش كدا ابوس ايدك
بقلم الكاتب: أحمد محمود شرقاوي
ووقعت في غيبوبة مظلمة غريبة، وكأني وقعت في بير عميقة من الظلام، او كأن النور اختفى من العالم كله، شوفت في الضلمة دي شياطين الكون كله بيقطعوا في جسمي..
في النهاية قمت اتفزعت، كنت حاسس اني في حلم، تايه، شايف سحابة سودة فوق عنيا مش قادر أشوف كويس منها، كنت في اوضة عبدالعزيز لابس جلبية وممدد على السرير..
وقف قدامي يطبطب عليا وفضل يقرأ قرآن في ودني، وبالأخص
“الله نور السموات والأرض”
قعدت مكاني كتير لحد ما قدرت اهدى، ساعات طويلة لحد ما نور الشمس دخل علينا، في النهاية اتكلم وقال:
– سامحني يا ممدوح كنت فاكرك مت ودفنتك بإيديا
وقتها بس قدرت اتكلم بصوت مبحوح:
– حرام عليك حراااام
لقيت دموعه نزلت وقال:
– ولادك الاتنين والله اللي أكدوا موتك وأهل البلد شيعوك ودفناك قدام الناس كلها
– أنا عايز أروح وديني عند سهام بنتي
خرج برة وجاب عربية مخصوص وركب معايا وراح بيا لبيت بنتي وجوزها، نزلنا من العربية وكنت لابس جلبية ولافف وشي بشال ابيض..
خبطنا على باب الشقة وفتح جوز بنتي وأول ما شافني مع عبدالعزيز فضل يصرخ ويقول:
– لا إله إلا الله، لا إله إلا الله
في اللحظة دي بنتي خرجت وشافتني، كان نفسي اترمي في حضنها وابكي، كان نفسي أحس بأي أمان، بس أول ما شافتني وقعت من طولها، ووقعت انا على الكنبة من التعب، شالها جوزها على الاوضة وحاول يفوقها لمدة ساعة كاملة، وفين وفين لما فاقت وفضلت تصرخ وتتنفض، وبعد نص ساعة من الرعشة والبكاء فهمها جوزها إني اتدفنت صاحي وطلعت..
وقتها خرجت للصالة وبصتلي بذهول الدنيا ونزلت تحت رجلي تبوس فيها وتقول:
– سامحني يا بابا سامحني يا بابا
مكنتش قادر انطق، اهمس، كنت فاكرها بتقولي سامحني عشان دفنوني ومتأكدوش من موتي، بس صُعقت لما قالت:
– اخواتي يا بابا اللي أجبروني والله، سامحني يا بابا سامحني
وقتها بصتلها بذهول عشان وسط بكائها تقول:
– هما اللي أجبروني أجيب الدواء اللي بيسبب غيبوبة عشان تاخده ونتخلص منك عشان نورث، سامحني يا بابا سامحني
وقتها حسيت بخنجر بيخترق صدري وقلبي وعضمي، كأني بنزف روحي نفسها، صدمة تخطت صدمتي جوة القبر، ولادي عملوا فيا كدا عشان الورث، ولادي اللي دفعت حياتي كلها عشانهم يعملوا فيا كدا..
ااااااااااه يا قلبي
صبرني يارب انا بحبك
صبرني ياااارب على النار اللي في قلبي
وعرفت، عرفت ان ولادي الاتنين الرجالة أجبروا اختهم الممرضة تديني علاج بيسبب غيبوبة، ولما وقعت في الغيبوبة طلبوا منها تديني حقنة تقتلني، بس هي مقدرتش، دخلت الاوضة وخرج قالتلهم انها ادتني الحقنة بس هي مكنتش ادتهاني، وفضلت في الغيبوية، وكانوا مرتبين مع الدكتور اللي هيطلع شهادة الوفاة وراحوا دفنوني، وبالصدفة أو القدر ربنا الهم عبدالعزيز انه يمر بالليل وبالأخص يقف يدعيلي قدام قبري عشان يسمع صوتي وكان معاه نسخة من مفاتيح القبر وقتها، فضل ربنا عليا..
ياريتني مت، ياريتني مت ولا سمعت الكلام ده كله..
قعدت أيام طويلة مع عبدالعزيز مش قادر أخرج للدنيا، طلبت منها متقولش لاخواتها اني صحيت، وكل اللي قدرت اعمله اني كلمت صديق ليا محامي، ورحنا أثبتنا في القسم اني عايش وتم ابطال شهادة الوفاة..
وفي نفس اليوم بعت البيت والأرض كلها لصاحب عمري على الورق عشان يطرد ولادي من البيت، ولادي اللي اتفاجئوا بإن ابوهم عايش وباع البيت والأرض واختفى هو وفلوسهم، مقدرتش حتى أواجهم، مقدرتش أشوفهم..
كل اللي قولته
“حسبي الله ونعم الوكيل”
وكل ما ببص في المراية بتحسبن عليهم، خاصة لما بشوف شعري الأبيض وعنيا الميتة وجلدي المتجعد، وكأني اتحولت لمسخ بعد التجربة دي، بعد أيام لقيت مشتري حقيقي وبعت له واتبرعت بكل فلوسي لجمعيات خيرية..
أهو الحق أخرتي يمكن ربنا يعوضني هناك، ادعولي انا زي والدكم، ادعولي أموت لأني مش قادر أعيش..
……………
(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً* رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً)


More Stories
مكتب دعم وتمكين المرأة يعتمد ورشة عمل حول الأمن التربوي ودور المرأة في بناء الأسرة
شفاء.. بقلم ولاء شهاب
حوار بين تائهٍ ومهزوم … بقلم ولاء شهاب