متابعة نجوى رجب
انطلقت في الشارقة فعاليات حملة “أنا البحر..في حب اللغة العربية”، والتي ينظمها المكتب الثقافي والإعلامي بالمجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة، لمدة خمسة أيام من الشهر الجاري، تزامناً مع اليوم العالمي للغة العربية الذي يصادف الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، وتتضمن الحملة عدة جلسات حوارية، وندوات فكرية، ومنصات خصصت للشباب، بهدف تعزيز الوعي بأهمية اللغة العربية، والحث على ضرورة المحافظة عليها وصونها، في مواجهة التحديات والمخاطر الكثيرة والمتنوعة.
في كلمة الافتتاح التي ألقتها صالحة عبيد غابش رئيس المكتب الثقافي والإعلامي بالمجلس تساءلت، هل نحن مبالغون في القلق على اللغة العربية، والتحفز للدفاع عنها؟ هل هناك مبالغة في الحديث عن الخطورة التي تواجهها؟ وفي هذا الاطار استرشدت غابش بمقولة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة حينما قال:
اللغة العربية من أطول لغات العالم عمراً، وهي اللغة التي اختارها الله تعالى ليقرأ بها القرآن الكريم.
فيقول سبحانه (كتاب فضلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون) ويقول في سورة طه (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً)..وفي سورة النحل: (وهذا لسان عربي مبين)…
وهكذا تتعدد الآيات التي ورد فيها المعنى مما يجعلنا كأمة نفخر باختيار الله سبحانه وتعالى بحكمته وعلمه هذه اللغة لتكون لغة كتابه العزيز، كما هي لغة خاتم الأنبياء _صلى الله عليه وسلم.
وأكدت غابش بأن سبب التحفز تجاه أي موقف أو كلمة نشر فيها بتراجع اللغة العربية عن مكانتها القدسية تلك، نستحث مشاعرنا للدفاع عن هذه المكانة التي تستحقها العربية، ولا نرضى لها أن تهبط عنها ..خاصة لدى المنتمين إليها مولداً وأوطاناً وعقيدة، وبالأخص لدى الشباب والأطكفال ممن يعيشون زماناً أصبح منهجهم التعليمي الطاغي ما يتلقونه في مدرسة التقنيات الحديثة سهلة التناول، ومسيرة التعليم في التعاطي معها، اضافة لمناهج تعليمية أعطت لتعليم اللغة الأخرى اهتماماً أكبر تلبية متطلبات الحياة المعاصرة، وأعربت غابش عن استيائها قائلة:
وكأن اللغة العربية عجزت عن أن تلبي هذه المتطلبات، وقالت: وما يؤسف له ذلك الدعم غير المحسوس لبعض الأمهات والآباء ممن يعززون هذا التوجه بالتحدث باللغة الأخرى مع أطفالهم، علماً بأن مجتمعات أخرى غير عربية بدأت تلتفت لأهمية لغتنا وضرورتها العصرية، فتضمنت مشاريعها التعليمية حصصاً ومساقات لدراستها والتحدث بها.
تستضيف حملة “أنا البحر” لمناقشة أعمالها كوكبة من المختصين في مجال اللغة والأدب والاجتماع من أجل طرح هذا الموضوع على مائدة الحوار من خلال عدة جلسات في صالون الشارقة الثقافي، وسيكون للشباب منبرهم في هذه الحملة، بل والمجتمع كله الذي ستعبر به قافلة “ألف باء” بما تحمل من برامج للتوعية، بأهمية لغتنا العربية.
بدأت الجلسة الأولى بمشاركة الدكتور سعيد الطنيجي عضو في جمعية اللغة العربية، وأدارت الجلسة الأديبة فاطمة الهديدي، رئيس وحدة النشر في الأرشيف الوطني.
جاءت ورقة الدكتور سعيد الطنيجي تحت عنوان “اللغات الانسانية..انتماء ومسؤولية وخصوصية …مستهلاً حديثه بتعريف مفهوم اللغة وسماتها، وأهميتها، كونها تعد إحدى العوامل الأكثر أهمية في حياتنا ووسيلة يستخدمها البشر للتواصل فيما بينهم، وبدونها لا يستطيع الانسان أن يتواصل مع غيره أو أن يتحاور معهم بشكل طبيعي، وهو وحده الذي لديه القدرة على تسمية مفاهيمه، ومن هنا فاللغة تحقق انسانية الانسان، ومعنى هذا أن اكتساب النظام الرمزي خاصية انسانية، وتطرق المحاضر إلى عدة سمات وخصائص اللغات عامة واللغة العربية على وجه الخصوص.
وقال الدكتور سعيد الطنيجي إن اللغة الأم هي اللغة الأصلية التي ينشأ عليها الانسان ويكتسبها في بيئته وثقافته الخاصة منذ بدء تخلقه في عالم الأجنة مروراً بالطفوله، وانتهاء باكتمال بناء شخصيته، فهي اللغة التي يبني عليها فكر الأسرة وثقافتها والتي ينشأ عليها أبناؤهم وأكد على أن اللغة العربية من أكثر اللغات مطاوعة ووسعاً لما تفتح لنا من سبل يمكن سلوكها في عملية توليد الألفاظ الجديدة، وهي لغة مرنة تتفاعل مع حركة الحياة، وتساير الزمان في تطوره في كل عصر، وتعد وسيلة مهمة في مواجهة تحديات العولمة كونها من أعرق اللغات العالمية منبتاً، وأعزها جانباً وأقواها جلادة، وأبلغها عبارة، وأغزرها مادة، وأدقها تصويراُ وأكثرها انتشاراً، فهي قادرة على الاستجابة للتطور الحضاري والتعبير عنه، وقد كانت لغة العلم والتعليم ردحاً من الزمان ليس هيناً، وهي من أكثر اللغات ارتباطاً بالهوية.
ودعا إلى استعادة اللغة العربية لمكانتها ورونقها وبهائها، ويرى الدكتور الطنيجي أن المحافظة على لغتنا العربية التي هي لغة القرآن الكريم لا يقتصر على الجهات والمؤسسات الحكومية والقائمين عليها، فهم لم يقصروا في ذلك بل مسؤولية الحفاظ على هذه اللغة هي مسؤولية المجتمع بكافة هيئاته، هي مسؤولية المجامع والمساجد والمؤسسات التربوية وأجهزة الاعلام والمؤسسات الثقافية، وأفراد المجتمع ككل، ويقع العبء الأكبر والدور الأكثر تأثيراً على الأسرة في تعليم الأبناء اللغة وقراءة القرآن وحفظه، لأن اللغة العربية ستبقى حية مدام القرآن الكريم محافظاً عليها.
ومن جانبه الدكتور عيسى صالح الحمادي، مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج، وتحت عنوان “اللغة العربية أهم …الأسباب والواقع” تناول عدة محاور منها، تمهيد تاريخي عن “اللغة العربية أهم…الأسباب والواقع” تناول عدة محاور منها، تمهيد تاريخي عن اللغة العربية ونشأتها والتي أفاد بأننا إذا كنا لا نستطيع أن نجزم بتاريخ محدد لنشأة اللغة العربية الفصحى، فأغلب ظننا أنها نشأت منذ قرون قبل الميلاد، وأنها ظلت تتداول حتى يومنا هذا، مؤكداً: ولا توجد لغة في الدنيا استمرت هذه الفترة الطويلة غير اللغة العربية الفصحى، ويعزو الدور الأكبر في ذلك لاحقاً إلى القرآن الكريم الذي حماها من مصائر اللغات الأخرى كالآرامية، والمصرية القبطية، والسنسكريتية الهندية، والعبرية والاغريقية القديمتين، واللاتينية، الخ…
وأشار الدكتور الحمادي: ولعل هذا من العوامل والأسباب التي تحملنا على القول إن اللغة العربية كونها خزان ثقافي لحضارة امتدت آلاف السنين والانتشار العالمي للغة العربية في العصور الوسطى، والتأثير الثقافي العالمي للغة العربية في لغات العالم الكبرى، واحتضان العربية للعلم والفلسفة في العصور الوسطى.
وفي حديث الدكتور عيسى الحمادي عن واقع اللغة العربية ومستقبلها أفاد …بأن اللغة العربية تملك قدرة ذاتية للانتشار والتكيف مع المتغيرات المختلفة، ومقاومة التحديات التي تعترضها وأن نشر اللغة العربية أو انتشارها العالمي، كغيرها من اللغات، يخضع لعوامل موضوعية (سياسية واقتصادية، وعسكرية وتقنية ..الخ)
وأثنت الورقة على جهود دولة الإمارات والتي تسعى ولاتزال إلى تطوير اللغة العربية، وتمكينها وفق رؤية قيادتها الرشيدة التي ترى أن النهوض بالعربية وتمكنها في جميع المجالات العلمية والتكنولوجية والثقافية والاقتصادية هو مفتاح التقدم والابداع في ذلك مشيداً بجهود ورؤية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة _حفظه الله ورعاه، لأن تكون دولة الإمارات مقر امتياز اللغة العربية يضم أعضاء من جميع إمارات الدولة للنهوض بهذه المسؤولية الكبرى.
واختتم المحاضر الدكتور الحمادي حديثه عن دور المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج ومقره بالشارقة، وتجربته في مجال النهوض باللغة العربية وتعليمها، لأن هذا المركز يضطلع بدور إقليمي ريادي في إعداد الدراسات والبحوث العلمية البيداغوجية في دول الخليج العربي، ولأن “تقرير حال اللغة العربية” (2020) المشار إليه آنفاً، جعله نموذجاً يؤسس على غراره مركز قومي لأبحاث تعليم اللغة العربية، لقد انجز المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج دراستين عامي 2017 و2019، في تطوير معايرر اختيار معلمي اللغة العربية وإعدادهم وتدريبهم، وفق أرقى المعايير والمناهج العلمية.
أما الجلسة الثانية التي جاءت تحت عنوان “ندوة : لغتنا..والعالم”، وأدارها الإعلامي الدكتور سعيد العمودي، وبمشاركة ورقتين الأولى قدمتها الدكتورة فاتن زهولينغ، وهي من الصين أول مترجمة قانونية مرخصة للعربية إلى الصينية، وبالعكس ، في وزارة العدل الإماراتية ناقشت “اتجاه العالم إلى اللغة العربية” من خلال إستعراض تجربتها وعلاقتها باللغة العربية، بدأت زهولينغ بكلمة الشكر قائلة: لولا اللغة العربية، لما كانت حياتي مليئة بالمغامرات والتحديات، ولن أكون أما لطفلين ذكيين ورائعين، ولن أكون الشخص الذي غير مصير مئات الشباب الصيني وأعربت عن سعادتها الكبيرة بالمشاركة في هذه الحملة التي منحتها الفرصة للحديث عن علاقتها بلغة الضاد.
ثم تطرقت إلى كيفية تعلمها للغة العربية من خلال مراحل عدة بدء من مرحلة الحياة الجامعية في دولة الإمارات ثم سلطنة عمان، وذكرت بأن في العام 1986 التحقت بجامعة الدراسات الأجنبية ببكين التي تأسست في أربعينات القرن الماضي، وهي تشتهر بلقب “معهد الدبلوماسيين” وكان يوجد في كل الصين ست جامعات أو معاهد لتدريس اللغة العربية وآدابها، وأشارت إلى اهتمامها الكبير بهذه اللغة المقدسة التي اعطتها الثقة بنفسها والتسامح والتعايش، كما ساعدتها على التفكير بشكل أعمق، وتشجيع روح الابداع والابتكار لديها.
وبدورها الدكتورة فاطمة البريكي أستاذة جامعية متخصصة في علم النقد والبلاغة قدمت ورقة عمل بعنوان “سبل النهوض باللغة العربية في زمن التكنولوجيا” مشيرة إلى مساهمتها في إعداد تأليف عدة كتب في هذا الشأن من أهمها (مدخل إلى الأدب التفاعلي) و(الكتابة والتكنولوجيا)، وفضاءات الالبداع الأدبي في عصر التكنولوجيا وغيرها).
وفي ذلك ركزت الدكتورة فاطمة البريكي في حديثها على محورين الأول…كيفية استثمار التكنولوجيا لتعليم اللغة العربية للأطفال بطرق حديثة ومبتكرة.
وفي المحور الثاني كيفية رفع مستوى النصوص الأدبية المكتوبة باللغة العربية من حيث المضمون والتقنيات المستخدمة مع أهمية الموازنة بينهما.
مؤكدة على ضرورة تطوير برمجيات خاصة لتعلم اللغة العربية، فلا شك في أن لتطوير مثل هذه البرمجيات أثراً بيّناً في إحياء اللغة العربية والحفاظ عليها من خلال ترغيبهم، ورفع مستوى تحصيلهم العلمي في فروعها المختلفة.

More Stories
الدبلوماسية المصرية آمن قومى . بقلم أشرف شبانة
إنجاز طبي جديد بمستشفى الهرم.. أطباء مصريون ينجحون في استئصال ورم معقد بقاع الجمجمة وجذع المخ
تهنئة بتولي الأستاذ كامل الشرابي منصب مدير بنك أبوظبي الإسلامي