كتب وليد محمد محمد صالح
بسم الله الرحمن الرحيم
هل قيل لأحدكم يوما ما :” هل أنت تغسل كرشة ” ؟!
و ذلك كناية عن استغراق الوقت الطويل فى عملية الغسيل – أى غسيل ؟
هذا بالضبط ما كان يتبادر إلى ذهنى طيلة سبعة أشهر قضيتها فى العمل بوحدة غسيل الكلى بمستشفى فاقوس العام , هم أيضا يقومون بنوع ما من الغسيل و ما أشبهه بغسيل ” الكرشة ” !!
إذ إن المريض يجلس أو يرقد لمدة تصل إلى أربع ساعات كاملة لثلاث مرات أسبوعيا لكى يقوم بعملية الغسيل تلك التى – و الله – لا تستغرقها الكرشة نفسها !!
و كان أكثر ما يشغلنى هو ابتكار طريقة ما تختصر هذا الزمن الطويل الذى تستغرقه عملية الغسيل , خاصة أن الكليتين المسكينتين حجمهما بسيط للغاية , فما حاجتهما إلى أربع ساعات ؟
و بحماسة من ابتكر الكثير من الأشياء من قبل خلال سنوات طويلة فى حياتى العملية صرت أطرح الأسئلة و أتناقش و أفكر و أبحث لعلنى أتوصل إلى شيئ جديد أقدمه إلى مريض الكلى و إليكم النتائج .
و فى هذه السطور سنتكلم بشكل عام عن وسائل إراحة مريض الكلى , و ليس فقط أثناء عملية الغسيل أو تقليل المدة تحديدا .
(2)
بداية يجب أن نعلم أن الذى يتم غسله ليس الكليتان و إنما الدم نفسه , و هى عملية وصفتها إحدى طبيبات وحدة الكلى فى إجاباتها على بعض أسئلتى بأنها ” استصفاء دموى ” , أى أن غسيل الكلى هو تعبير مجازى , أما الحقيقة فهو غسل الدم الذى تجمعت فيه مواد غير مرغوب فيها لأن الكليتين قد صارتا لا تؤديان وظائفهما .
و من بداية وجودى فى وحدة الغسيل أيقنت أن ثمة شيئ ما خطأ يحدث , فإن عملية الاستصفاء الدموى تتم من خلال إمرار الدم على مرشح صغير الحجم هو الذى يقوم بعملية التصفية تلك , ثم بعد ذلك تتم عملية تعويض للعناصر و المغذيات التى فقدها دم المريض أثناء عملية الترشيح , مع متابعة يقظة للعمليات الحيوية التى يقوم بها الجهاز الدورى للمريض كسرعة ضربات قلبه و مدى ارتفاع أو انخفاض ضغط دمه .
إلى هنا و الكلام جيد , لكن ما ليس جيدا هو أنه بالمقارنة مع عملية ” الاستصفاء المائى ” التى تحدث فى معظم البيوت , و التى يتم فيها إمرار المياه خلال فلتر مماثل بل و أكبر حجما فإن العملية لا تستغرق سوى ثوان معدودة , و بحسبة بسيطة فإن اللترات الستة التى يتكون منها دم الإنسان البالغ لو تمت عملية استصفائها مثلما يحدث مع المياه فإنها لن تستغرق سوى دقيقة واحدة , دقيقة واحدة يمر فيها دم المريض بالكامل من خلال الشعيرات الدقيقة بالمرشح ” فيترشح ” الدم تاركا كل ما به من ملوثات و سموم .
إذن هناك شيئ ما خطأ يحدث فى عملية الغسيل و يجعلها تستغرق كل هذا الوقت .
هذا الشيئ الخطأ غالبا هو ناتج عن أن ماكينة الغسيل تصميمها هو هكذا و فكرة عملها هى هكذا و آلية ذلك العمل هكذا , و أنه لو فسخت وزارة الصحة تعاقدها مع الشركة الموردة لتلك الماكينات و استعانت بطرق أخرى للغسيل فلن يظل المريض تحت رحمة الماكينة أربعة ساعات و لا نصف تلك المدة و لا ربعها !
أذكر أننى بعد أول نقاش مع أول ممرضة بخصوص عملية الغسيل و تفاصيلها كتبت على الفيس بوك : بصفة مبدئية ماكينة غسيل الكلى تحتاج إلى ماكينة !! أى إن الماكينة كلها لم تعد تصلح لتلك المهمة و يجب على وزارة الصحة اعتماد طرق و آليات أخرى .
و دائما ما تتمثل فى مخيلتى صورة طبيب الباطنة المصرى الذى عمل لفترة فى مستشفى بماليزيا , و لما طلب عمل ” إيكو ” لأحد المرضى فوجئ بأن جهاز الإيكو عندهم بحجم المحمول السامسونج كما قال !
و هو ما جعلنى أسخر من جهاز الإيكو الذى رأيته بالعناية المركزة بالمستشفى , سخرت من حجمه الكبير , و من أنه يمشى على عجلات , و من أن وزارة صحة مصر تستخدم أجهزة من أيام توت عنخ آمون !!
فما يقال عن جهاز الإيكو يقال مثله و أكثر عن أجهزة غسيل الكلى فى مصر كلها .
(3)
منذ سنوات طويلة كنت قد قرأت أن إحدى آليات الغسيل الكلوى تعتمد على جهاز يتم توصيله وقت الغسيل بالكلية مباشرة , و أن عملية الغسيل بهذه الطريقة تستغرق فقط حوالى عشرين دقيقة , و أن تلك الطريقة منتشرة حول العالم , لكن ما يعوق انتشارها هنا هى تعاقدات وزارة الصحة مع شركات بعينها هى التى تقوم بتوريد أجهزة و ماكينات بعينها هى التى تقوم بتعذيب المرضى .
و فى ثانى مرة أتناقش فيها مع طبيبة ” الاستصفاء الدموى ” كنت قد سألتها عدة أسئلة منها :” هل عملية الغسيل بالخارج فى الدول المتقدمة تتم كما هو الحال هنا فى مصر ؟” , و كانت إجابتها : نعم .
لكن الواقع يشهد أن الإجابة فيها “نعم” و فيها “لا” أيضا .
و يشهد لذلك أن إثنين من ممرضى وحدة الغسيل بمستشفى فاقوس تم تكليفهما بأخذ دورة تدريبية بمستشفى ديرب نجم بمحافظة الشرقية على إجراء نوع آخر من الغسيل يسمى بالغسيل البريتونى لا يستغرق أكثر من نصف ساعة , و من سماته أن المريض يقوم به بنفسه أو بمساعدة أى من المقيمين معه بالبيت و لا يستلزم حضوره إلى وحدة الغسيل ثلاث مرات أسبوعيا , إذن هناك أمل أن يرتاح مريض الكلى , لكن لكى يتحقق الأمل لابد من إقرار سياسة صادرة عن وزارة الصحة أو مجلس الوزراء يتم بمقتضاها بيع كل ماكينات الغسيل التقليدية لتجار الخردة ! ثم اعتماد طريقة الغسيل البريتونى تلك .
و أذكر من نقاشى مع الممرض الشاب الذى أخذ تلك الدورة أننى سألته عن كيف سيستحم المريض فكانت إجابته أن الأمر أسهل مما أتخيل .
(4)
أحد مرضى وحدة الغسيل كان قد قال لى إنه قد توصل لاتفاق مع إبن عمله يتم بمقتضاه تبرع إبن عمه له بإحدى كليتيه لكن إبن عمه هذا قد نقض الاتفاق لاحقا .
لكن من الممكن ألا يحتاج هذا المريض و لا غيره لمتبرعين إن وجدت السياسة الرشيدة التى تستهدف إراحة مريض الكلى , خاصة أن الحكومات المتعاقبة – متضامنة – ينبغى أن تكفر عن سيئاتها بشتى الطرق الممكنة , إذ إن أغلب حالات الفشل الكلوى ما حدثت إلا بسبب المياه الملوثة التى كان ينبغى على الحكومات توفيرها نقية , و بسبب الهرمونات الزراعية غير الصالحة التى كان يتوجب على الحكومات إحكام الرقابة عليها و منع استيرادها , الحكومات هى التى أصابت الناس بالفشل الكلوى فينبغى أن تبذل كل جهد من أجل إصلاح ما أفسدته يداها .
يتبع ….

More Stories
«عبدالناصر وحركات التحرر الوطني».. مؤتمر فكري يستعرض رؤية الشباب المصري لثورة 23 يوليو وإنجازات الزعيم جمال عبدالناصر
وعن عمرٍ فيمَ أفناه ؟ خواطر أدبية ذات طابع وعظي
النائب العام الليبي: معرض الكتاب خطوة لمكافحة الجريمة ونشر الوعي بين الليبيين