“حكاية كانت”
قراءة نقدية بقلم /سليم النجار
متابعة /لطيفة القاضي
” النهر طفل هائل لن ينتهي به المطاف البتّة ان يخافظ على طيوره . ” جنفييف أميو
مع انبلاج الصباح تلمس قلمي هذا البياض ؛ يصحو العالم تحت الشراشف ؛ تميط الأرض اللئام عن جروحها ؛ وتكشف عن سرتها ؛ تشرق الشمس ؛ والإوز لايأبه بذلك . وكان لسان حاله يقول ” أغَثِني ” هكذا استطيع البدء بالقراءة النقدية لرواية ” أغَثِني ” للكاتبة نهى حمدالله ؛ كأنها بحر يتدفق إلى الداخل ؛ يعاني من وطأة البشر ؛ تحفر عشاً في عين الوجع وهو يسحب الأيام على ذاكرتها ؛ أبداً لا يمكن للصيقع أن يكسر الوحدة . هذه حكاية نور بطلة الرواية ؛ فهي حكاية شعبية التي تشكل نمطاً حكائياً متميزاً ؛ خلاصة القول الكاتبة تؤثث للمتلقي المنهج الوظيفي الذي يعرف بوظيفة الحكاية والغاية منها ؛ إلى جانب المنهج الموضوعي الذي يرصد موضوعة الحكاية والغاية منها ؛ فضلاً عن المنهج المورفولوجي الذي يركز على البناء الداخلي للحكاية ؛ وفي حقيقة الأمر ان الكاتبة كتبت روايتان متدخلتان ؛ لبناء نص رواء مندمج في حكاية واحدة جوهرها العذاب ؛ بمعنى الأنسان بطبه حكاء ؛ يسرد ما يشعر به ؛ خاصة إذا كان هذا الشعور تتجلى صوره بأشع أنواع العذاب ؛ وبما إنّ الكائن البشري حكّاء ويعشق الحكي كما سبقت وقلت ؛ وهذه حقيقة انثربولوجية ؛ بدأ بالحكاية وعرّج على الشعر مادام البسيط يسبق المركب تاريخياً وهو ما لاحظناه بانتهائه إلى الحكاية المقفاة ؛ وبذات الخلفية تقريباً ؛ اشتغلت نهى حمدالله ؛ إذ وسمت حكايتها بالعجب والغرابة وإثارة الإدهاش والخارق والبعيد عن المعقول ومنطق الواقع وكشف المجهول ؛ ” تلك فرحة لقاء تناغمت … مع إيقاع غصّة أوجعت … ص٢٤٢” .
وبين الافتتاح والاختتام ؛ تروي الكاتبة وفق منطق السببية بنيتها الدرامية فترد محكومة بالتعارض بين الخير والشر ؛ الحب والكره ؛ الود والضغينة ؛ في حين تتوسل الأحداث الحكائية من حيث ورودها الثغرة والملخص ؛ ( اي منطق انتخاب الأهم من الوقائع ) ؛ ثمّ المشهد والتبطئ المصحوب عادة بالوصف ؛ ” لو كانت التضحية روحاً تمشي بين الناس ؛ لكانت امرأة نبيلة من ذهب … لاتتوقّف عن الكاء … في قلبها جَبَلُ أحُد … ومن وجهها يُضيء القمر ص١٨٩ “. كما وظفت نهى الحكاية بنائيّا في غاية البساطة وفق السهم الحكائي التالي ( عذاب ؛ حروب ؛ موت ؛ انتقام ) ؛ ولكنْ على الرغم من بساطة وقائعها المتخلية فهي تحيل على وقائع اجتماعية معروفة في مجتمعاتنا العربية ؛ ” – اين ستأخذني اليوم ياعادل ؟
– إذن انتِ زوجةٌ مُتطلّبة على ما يبدو . ص٤٨” .
هذه الحكاية تأنيث الخوف والعنف ؛ أذ اسندت الكاتبة هذا الوصف إلى الرجل الذي يكبر الطفل الذكر وفي داخله خوف من المرأة ؛ لأنها اقترنت لديه من الإخصاء الأخلاقي ؛ جرّاء رغبتها الدفينة في امتلاك إنسانيتها .
عند هذا المستوى ؛ يحق لنا التساؤل عن هذه المفارقة : لماذا هذه الازدواجية التي تسم الانثى بكونها تعطي الحياة وتنذر بالكشف ؛ ” هواجس همستْ لها بالسعادة : حتمّا هذا الطفل سيغير قدرنا معاً ص١٥١” .
لكن هذا الانطباع الأول للحكاية ؛ وهل يعني هذا انّ كشف المرأة لحكاية الرجل شيء مستحيل ؟ ؛ ” ويثور دمّا ليُحمر وجهه ؛ ويهزّ قلبَه خفقًا عجيبًا . شعور الأبوّة يُقَشعِر جلده ؛ ويُجري في أطرافه خدرًا . ص١٥٢” . السؤال هل حقاً سيتولد عداء بعد لحظات ؛ وان العداء مصدره الضياع لعادل ؟ ؛ “لكن اهله لمْ يَستقبلوا ذاك الخبر بسرور . طفلٌ على الطريق … ( لقيط المشاعر ) .. لايدري مَن يلتقطه ؛ أهي أذرع الحب الفاشل … امْ أحضان الرفض والاستنكار . ص١٥٢” .
في الواقع رواية اَغثِني تحارب فكرة استنساخ المرأة الضلع الأعوج ؛ وأنها مصدر المشكلات ؛ بما فيها الإغراء الجنسي ؛ وكأنها بلا وعي ؛ وكان تاريخ المرأة الكوني لا يمتلك التماعات مضيئة ( زنوبيا تدمر ؛ بلقيس سبأ ؛ واللائحة تطول ) .

More Stories
الرائد أحمد فريد عبد الخالق.. حضور أمني يجمع بين الحزم والإنسانية داخل مركز شرطة تلا
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل