أكتوبر 25, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“جثة طالعة من قلب البحر”

شوفتها, شوفتها وانا واقف بتأمل ثورة البحر اللي مبتخلصش, شوفتها وكأنها مُتمردة اتمردت على قوانينه وسُلطانه فقتلها ورماها برة العالم بتاعه, رماها على البر زي أي جيفة, بس الموضوع طلع أكبر من مجرد جثة غرقانة, أكبر بكتير..
…………………
انا عندي عُقدة كبيرة من الستات, بل وممكن تقول مرض نفسي نادر مخليني اعتزل كل الستات اللي في الدنيا, وبقول ده وانا معترف بيه تمامًا, ايوة انا مريض ومش صح, بس انا راضي بالمرض ده, ومعنديش أدنى استعداد اني اتعالج, وشايف الزواج مشروع فاشل بكل المقاييس, وبما ان فضولك هياخدك ناحية معرفة اسباب عُقدتي دي فانا هروي فضولك وهقولك..
انا أمي اتطلقت من ابويا واتجوزت غيره ورمتني انا واخواتي بكل بساطة, اخويا مسك مراته بتخونه وطلقها, حتى انا لما ارتبطت ببنت في الكلية خانت كل العهود اللي بينا واتجوزت أول طارق على الباب للزواج وكأني لا شيء..
كل ده مع شخص اتربى غلط وشخصيته حساسة بزيادة اتربى جوايا نفور تام من كل ما هو أنثوي, وعافرت, عافرت عشان أعرف استقل بحياتي واحتوي اللي باقي من مشاعري وانسانيتي, وكان القدر في صفي الحمد لله..
شغلي كله سفر تقريبًا من بلد لبلد وده خلاني استقل بنفسي اكتر, لحد ما الشركة بعتتني لمشروع قريب من البحر وتقريبًا في رشيد, ومن جمال القدر ان الشقة اللي خدتهالي الشركة كانت بتطل على البحر في منطقة سكنية صغيرة أوي, مجرد 12 عمارة في المنطقة كلها والباقي بيوت قديمة عمري ما شوفت سكانها, والأجمل ان الشقة اللي كنت فيها كان معايا فيها مهندس بيته في اسكندرية, وكان بيروح يوميًا, وده خلاني انفرد بالشقة تمامًا..
افتح البلكونة طول الوقت وافضل قاعد قدام البحر, سكون تام ومفيش غير صوت البحر وبس, البحر اللي بشوفه عالم كامل مقفول على نفسه, عالم جواه أسرار ميعرفهاش غير الخالق نفسه..
عالم لو ركزت معاه هيسحب عقلك وكيانك زي ما بيسحب أمواجه من على الشط من تاني, وفي النهاية هتقع في دايرة من الجنون ملهاش نهاية, كنت بتخيل الدوامات والأمواج دي عقل البحر وهو بيفكر وبياخد قرارات, بل وبتخيله كائن بيغضب ويفرح ويتأثر باللي بيحصل على البر..
وبما ان انهاردة الجمعة فانا بدأت الطقوس بعد صلاة الجمعة فورًا, طبخت أكلة بحبها واتغديت وعملت كوباية الشاب بالنعناع وحطيت الكرسي المُريح في البلكونة وقعدت, قعدت وسرحت سرحان طويل أوي..
بس الذاكرة قررت تفسد اليوم كله بذكرياتي الصعبة كلها, أمي اللي مشوفتش منها أي حنية أو احتواء, اخويا اللي حياته اتدمرت بسبب مراته اللي خدت اللي وراه واللي قدامه, الجواز اللي بقا مشروع لا يصلح لعقلية شخص مريض زيي, وللأسف انا زيي زي أي راجل, جوايا مشاعر جبارة ومحتاج البنت اللي هخرج معاها المشاعر دي, بس كل الحواجز النفسية دي خلتني مقدرتش رغم اني حاولت, وقام جوايا صراع رهيب بين مشاعري ونفسيتي انتهى بقرار..
قرار غريب شوية, مفيش مانع اتخيل أنثى في خيالي, أحبها, أعشقها, اكلمها, بل وتكون معايا قبل نومي وفي خيالي ليل نهار, معرفش ليه تمنيت لو ان البحر طلعلي حورية من جواه, من العالم بتاعه, متلوثتش بفِكر أهل البر, أو حتى واحدة من أهل البر دخلت غسلت نفسها من تلوث فِكر أهل البر وخرجتلي, خرجتلي انا وبس..
بس الجنان كله حصل لأن كل اللي تخيلته حصل قدامي, حصل بالنص, بس حصل بطريقة مُرعبة, انا لمحت جسم بنت شعرها طويل عايمة على وش المية, حسيت وقتها بكهربا بتمسك في جسمي كله, قفلت عيني وفتحتها كتير عشان اتأكد من اللي انا شايفه, بس فعلا كانت فيه بنت على وش المية..
نزلت أجري من الشقة ناحية البحر, وبالفعل لقيت المية بتطلع البنت ناحيتي, وشوفتها, شوفتها قدام عنيا, وجه ملائكي أبيض, عيونها مغمضة وشعرها اسود بيتموج مع المية زي الشلال, شلتها بسرعة وخرجت بيها, بصيت يمين وشمال ولا حياة لمن تنادي, المنطقة هادية فوق ما تتخيل وصعب لما تشوف حد ماشي فيها..
حاولت أسعف البنت زي ما اتعلمت في دورة الاسعافات بس هي مكانتش بتنطق, بصيت على رقبتها, وشها, ايديها, مفيش أي خدش ولا مظاهر تقول انها ميتة, قتيل البحر بيطلع شكله مُخيف, انما دي كأنها نايمة وبس..
معرفش ليه وازاي شلتها وجريت على شقتي كأني خايف أحسن اشيل انا التُهمة دي, حطيتها على الكنبة وحاولت أسعفها مرة تانية, بس البنت مكانتش بتنطق, جثة مبتتحركش رغم انها أجمل من القمر حرفيًا..
وقتها بدأ يدق ناقوس الخطر جوايا, لو بلغت ممكن اشيل انا تهمة قتلها, خاصة اني جبتها شقتي, ومعرفش انا ايه اللي خلاني اعمل كدا اصلًا, ودق ناقوس الخطر اكتر واكتر, البنت خلاص ميتة, وانا أكيد مش هحتفظ بجثة في شقتي..
فكرت أرميها في البحر تاني بس استحرمت, فكرت كتير لحد ما وصلت لحل مقبول, فيه حُفر ورا العماير بتاعتنا كتير أوي في المنطقة لأنها منطقة انشاءات, وفورًا جبت كيس كبير وحطيت فيه البنت, وأول ما الشمس غابت نزلت بيها, كانت خفيفة جدًا, وده خلى المُهمة سهلة, حطيتها في الأرض الفاضية اللي ورا العماير جوة حُفرة صغيرة وردمت عليها لحد ما غطيتها, دعيتلها شوية ورجعت شقتي مكسور..
حاسس اني دفنت حد عزيز عليا أوي, تخيلت لو كانت صحيت فاقدة الذاكرة وعاشت عشاني انا, بس مش كل اللي بنتمناه بيتحقق, ولازم كل حاجة تبقا ناقصة, الكمال لله وحده..
رجعت الشقة واترميت على الكنبة, حزين, مهموم, حاسس باحتياج, بحد يشدني من الوِحدة والجنان اللي انا فيه ده, ووسط تفكيري سمعت صوت جاي من الاوضة, صوت حد بيتاوب, معقول يكون المهندس محمد زميلي جه الشقة انهاردة, دخلت بابتسامة كبيرة عشان اسلم عليه بس صُعقت مكاني..
صُعقت لما لقيت البنت, الجُثة اللي لسة دافنها من دقايق, الجثة مفيش عليها أي اثر للتراب, الجثة اللي طلعت من البحر, كانت صاحية ومفتحة عنيها, وبصت ناحيتي, وقتها عرفت يعني ايه شعرك يشيب, يعني ايه جسمك يتشل وتفقد السيطرة حتى على أنفاسك, صرخت, صرخت زي الطفل الصغير وجريت ناحية الاوضة التانية وقفلت عليا الباب, كنت بتنفس بالعافية, بترعش, قلبي هيقف من الرُعب, في اللحظة دي سمعتها بتخبط على الباب, ووصلني صوتها من وراه بتقول:
– مش انت اللي كنت بتتمنى اني اجيلك, ليه دلوقتي خايف مني
معرفش ليه اترعشت اكتر, وكلامها أثر فيا اوي, انا فعلا كنت بتمنى وجودها, ليه بقا خايف منها دلوقتي, ليه رافض وجودها, هل عشان هي مجرد جُثة, ولا عشان هي مش طبيعية, طيب مانا تمنيت واحدة مختلفة, من عالم البحر, ليه دلوقتي رافض كل ده..
دموعي خانتني ونزلت مني, وقتها سمعتها بتقول:
– افتحلي يا شريف, انا عاوزة ابقا في حياتك, مترفضنيش الرفض ده كله
وقتها حسيت بنار بتمسك في صدري, ألم شديد بدأ يغزو جسمي كله, صرخت مرة واتنين ووقعت مكاني فاقد الوعي, لما صحيت مكنتش موجودة, وروحت الشغل وقضيت اليوم, بس لما رجعت كانت في شقتي, بنفس الهيئة والمنظر, كانت قاعدة على نفس الكنبة اللي كانت جثتها عليها, واتكرر نفس الوضع, هربت للاوضة وحاولت تكلمني, بس انا تعبت اكتر..
الغريب بقا ان الموضوع بقا بيتطور اكتر, بقت بتمشي ورايا في كل مكان, بل وبتيجي ورايا الشُغل, خلتني عايش زي المجنون, بتكلم واصرخ في شغلي, اروح الشغل بلبس البيت, شكلي بقا مضطرب وغير متزن تمامًا, وفي النهاية حكيت لمُعتز صاحبي كل حاجة, حكيتله كل اللي بيحصلي..
تاني يوم كلمني معتز وقالي اننا هنروح مشوار وانه ظبط الموضوع مع مدير المشروع, ركبنا عربيته واتحركنا, ولما سألته على المكان اللي رايحنله رفض يقولي, وفي النهاية وصلنا, وصلنا لمبنى مكتوب عليه “مستشفى الأمراض النفسية”
كنت مستغرب أوي, بس هو بلغني انه هيزور صديق دكتور جوة, ولما دخلنا قابلنا دكتور شكله مقبول اسمه د. ماجد, وقتها اتكلم معتز وقالي:
– احكي لدكتور ماجد اللي بيحصلك يا شريف
وقتها فهمت, فهمت, معتز شايفني مجنون وجايبني مصحة نفسية, مسكته بغضب من هدومه وصرخ فيه:
– انت فاكرني مجنون يا متخلف انت
اتحرر مني بلُطف واتكلم وقال:
– انا بحبك زي اخويا يا شريف, وحالتك دي ليها تفسير والله, بالله عليك اسمع مني واحكي لدكتور ماجد
مقدرتش, مقدرتش اتحط في الوضع ده, بس مع ضغط معتز حكيت, حكيت كل حاجة, وفي النهاية ابتسم الدكتور, ابتسم ابتسامة ودودة جدا..
……………….
الدكتور قالي انها مش هتظهرلي تاني بس لو استوعبت كلامه كويس ومشيت على الدوا اللي هيكتبهولي, انا اتصنفت كمريض نفسي وعندي هلاوس سمعية وبصرية, وان الجثة دي ما هي الا نتاج شيء اخترعه عقلي بعد الاضطراب النفسي اللي اتسببت فيه الوِحدة والضغط اللي اتعرضتله في حياتي, ولما أقسمت ان كل ده حقيقي روحنا حفرنا مكان الجثة, وفعلا ملقناش حاجة, وحتى هي مظهرتش تاني..
انا تمنيت بنت تطلعني من وحدتي بطريقة مرضية, وعقلي استجاب واختلق شخصية وهمية مش موجودة, بس الحواجز النفسية جوايا كانت بتقول انها برضه بنت, وهتخون, ولا تصلح ليا, عشان كدا عقلي اختلقها ناقصة, اختلقها مجرد جثة مفيهاش روح, ولما حسيت بالحنين ليها عقلي خلاها تصحا في خيالي, بس النفسية كانت دايما بترفضها وبتصورها في هيئة جثة رجعت من الموت, عشان كدا كنت بتألم كل مرة بتكلمني, لأن الصراع جوايا كان رهيب, واللي اثبت ده اني لما مشيت على العلاج مبقتش بشوفها..
يمكن اخيرًا اعترفت اني مريض وقررت اتعالج, بس الدكتور يومها طلب مني اقعد مع راجل كبير, بالأخص حارس المصحة, ولما قعدت معاه وعرف قصتي نصحني بالآتي بعد العلاج:
“ربك يابني خلقنا وعارفنا اكتر من نفسنا, خلقنا وعندنا احتياج كبير للجنس الاخر, وخلق الست وعندها نفس الاحتياج, اختبارنا اننا نبعد عن الحرام وندور على الحلال, مش نبعد عن كله, رسولك الكريم يابني قال لا رهبانية في الاسلام, ومهما كان الحرام منتشر وكل حاجة سيئة استعين بالله ودور, دور على البنت اللي هتعينك على الحياة, البنت ذات الدين اللي تشيل معاك الحِمل, يابني الخير في الأمة دي مهما حصل, ومش عشان السيء هو اللي على السطح يبقا مفيش كويس, دور كويس, عِف نفسك وروحك وجسدك, مفيش حاجة اسمها رهبانية, الرهبانية كلها امراض نفسية وألم روحي وجسدي, علاجك يابني مش العلاج اللي هيكتبهولك الدكتور, علاجك تستخير وتتوكل على الله وتتقدم لاكتر بنت انت شايفها مناسبة, ده علاجك, ودي سُنة ربنا في الكون, وربك قال ولن تجد لسُنة الله تبديلًا, محدش بيعاند سُنة الله في الأرض ويفلح, اتخلقنا عشان نتجوز, متمنعش نفسك عن ده, ادعي وتوكل على الله, وربك هيوفقك..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي