مساومة من نوع خاص، غريب، بس أي شهوة دي اللي ممكن تصحا وانت في أرض الأموات، وانت بعد لحظات بس هتبقا مدفون في التراب، في أرض الظلمات وعالم البرزخ..
……………
عندي ايمان تام ان الأصح لأي انسان هو الزواج، وان اللي يعارض الفِطرة اللي ربنا فطره عليها ويستنكر فكرة الزواج فخسارته هتبقا كبيرة، كبيرة اوي، عشان كدا مسافة ما خلصت الجيش بدأت رحلة البحث عن بنت الناس المحترمة اللي تعيني على ثِقل الحياة وتبقا النص الحلو في حياتي..
البنت اللي هتخرج من عالم الخيال بتاعي للواقع المادي الملموس، ورغم النصايح الكتير اللي خدتها من أختي وخالتي وأمي وتقريبا كل ست في حياتي الا اني مخدش بيهم، كنت شايف قاعدة واحدة بس اللي هطبقها على البنت اللي انا عاوزها
“فاظفر بذات الدين تربت يداك”
وبس.. وبس بالمعنى الحرفي، وبعد رحلة بحث قصيرة سمعت بالصدفة واحدة بتتكلم عنها، اسماء، اسماء جارتنا اللي حاليا بتحفظ المنطقة كلها قرآن والكل بيتحاكى بأخلاقها وتدينها كأنها ملاك مُنزل من السما..
لدرجة اني حصلتلي حالة من الوهم من كتر الكلام اللي سمعته عنها، وبدأت أفكر جديًا اني اروح اتقدملها، بس كنت مستني خطوة واحدة بس، اشوفها ولو صدفة، لمحة واحدة هترتاح جوايا حاجة لسة مضطربة..
وبعد ترقب اسبوع كامل وبالصدفة البحتة شوفتها، شوفتها ماشية في الشارع وعنيها تقريبا تحت رجليها، وقار ما بعده وقار، ونظرات توشي بحياء مبقاش موجود للأسف في غالبية البنات حاليًا..
وكان لازم اسابق الزمن عشان اتقدملها في أسرع وقت تقريبًا، فاتحت أهلي في البيت وتاني يوم بس كنت قاعد مع أخوها ووالدتها عشان اتقدملها رسمي، والناس استقبلوني بصراحة استقبال محترم جدًا، استقبال مُبشر لأقصى درجة..
لحد ما جت اللحظة الأقرب لقلبي لما قعدت قدامي دقايق للرؤية الشرعية، وحرفيًا انا شوفت قدامي حورية مش مجرد بنت، حياء واضح في كل حاجة تقريبًا، نظراتها، قعدتها معايا، وحتى في رعشة صوتها، وكل ده صعب يتخدع فيه شخص دارس لغة جسد زيي، وبعد دردشة قصيرة ومن توترها وقلقها قالت كلمة تقريبًا خلت قلبي يرفرف من مكانه
“أنا أصلا دعيت ربنا كتير يرزقني بيك انت بالأخص”
ومن توترها بعد ما نطقتها قامت ومشيت من المكان، مشيت وخدت قلبي معاها تقريبًا، لدرجة اني ليلتها معرفتش انام بعد ما خدت وعد بالرد من والدتها قريب..
وغرقت في أحلام وردية حتى النخاع، أحلام صحيت منها بعد تلت أيام على خبر سار جدًا، والدتها موافقة عليا وانهم مش هيلاقوا أحسن مني، شاب سمعته وسمعة أهله سبقاهم بالخير والصلاح..
وكانت الزيارة التانية اللي اتفقنا فيها على ميعاد الخطوبة، زيارة تانية شوفت فيها نظرة واحدة منها خلتني تقريبا فقدت النطق، نظرة عشق تام، عشق حلال كان مكتوم جواها بسبب الحرام، صبر طويل انتهى بالحلال واخيرًا مشاعر البنت المحترمة خرجت ناحيتي انا..
واللي زاد من سعادتي اني عرفت انها الأيام دي طايرة من الفرحة وانها بتتمناني اكتر ما بتمناها بمراحل، وقرب موعد الخطوبة، قرب أوي، لحد ما اتبقى ٤٨ ساعة بس، وفي لحظة لقيت تليفوني بيرن ووالدتها بتعتذر وبترفضني بدون أي أسباب تُذكر..
رفضتني واتشل لساني وقتها حتى مقدرتش اسأل عن السبب، وانفطر قلبي مكانه وقعدت في الأرض فاقد النُطق والتركيز وحتى القدرة على التفكير، وبعد ساعة واحدة لقيت رسالة على الواتس أب من اسماء
“يشهد الله أنني ما تمنيت في حياتي زوجًا سواك، ولكنها أمي التي هددتني بالسخط إن عارضت أمرها، فهي تريد لي الزواج من ابن خالتي ورفضك بكل السُبل، وبعد بكاء طويل فوضت أمري لله، سامحني”
وقتها مكنتش أتخيل اني ممكن أبكي، بس انا كانت جوايا رغبة قوية في البكاء، بس وأدتها بالعافية وقمت من مكاني، بس اللي كسرني اكتر اني عارف ابن خالتها ده، عيل قليل الأدب وبتاع بنات ودخان ومينفعش ليها أبدًا..
ولما حاولت أوصل لجواب عن طريق بعض المعارف عرفت انها امها استحالة ترفض ابن اختها، والسبب واحد، معاه فلوس، كان مسافر وعنده شقة أحسن من شقتي ومستريح ماديًا، وامها كدا شايفة انها هتكون في امان معاه اكتر مني، مع اني عاهدت ربنا اني لو هموت نفسي عشانها هعمل كدا، بس نقول ايه في التخلف الفكري..
وانا للأسف كنت متربي، ومكنش ينفع أعصيها على أمها مهما حصل، هشوف نفسي وقتها انسان وضيع، انا مينفعش أصلا اتكلم معاها بما اننا لسة مدخلناش في علاقة رسمية..
واستسلمت للأمر الواقع، استسلمت وانا عارف ان كلها أيام وهياخدها مني باسم ابن خالتها، ورغم اني حاولت اتهيئ نفسيا على سماع خبر خطوبتها كتير الا اني أول ما سمعت الخبر قلبي انفطر مرة تانية، وعرفت ان خطوبتها بكرة، خطوبة كلها رقص ومسخرة بعد ما كنت ناوي اعمل حاجة حلال تليق بمحفظة قرآن، بس امها، امها اللي مصابة بالعُقم المجتمعي…
وعلى المغرب حسيت بهرج ومرج في الشارع، معرفش ليه حسيت بقبضة غريبة بتمسك في قلبي، خرجت اشوف فيه ايه لقيت عربية واقفة عند بيتها وامها عمالة تلطم وتبكي بهيستريا، رحت مع الناس بقلق وتوتر شديد عشان اعرف الخبر العظيم..
البنت تعبت، جالها هبوط، وماتت، ايوة ماتت بكل بساطة، ولما راحوا بيها المستشفى كانت خلاص عند رب كريم، وقتها حسيت يعني ايه روحك تخرج من جسمك وتتحول لكائن ميت، حسيت بكل معاني القهر والوجع اللي في الدنيا كلها..
لدرجة اني قعدت في الأرض وحطيت ايدي على راسي زي المجنون، مكنتش مستوعب اللي حصل، مش مصدق وحاسس اني في كابوس، كابوس كارثي مش حقيقي..
بس الحياة أوقات بتكون اسوأ من اسوأ كوابيسنا، ولاقيت نفسي بعد العشا بشيع جثمان أسماء مع أهل البلد اللي كأنهم انكسروا لفقدان بنت زي دي. وبالطريقة دي، ودفنوها، دفنوها ودفنوا روحي معاها للأبد..
ومن شدة كسرتي مقدرتش أمشي، بعدت شوية عن قبرها بس فضلت في المقابر مش قادر أخرج منها، ولما الجمع انفض رجعت للقبر من تاني، حزين، مكسور، منهار، بس للموت حُرمة، وده القدر رغم كل شيء، وده صبرني شوية وانا بدعيلها، بدعيلها كتير أوي، لأكتر من ساعة كاملة وانا واقف قدام قبرها بدعيلها..
وفي النهاية مشيت، او قررت امشي، بس قبل ما اتحرك سمعت صوت بكاء مكتوم جاي من ورا حارة المقابر اللي اتدفنت فيها أسماء، تماسكت شوية وتوقعت يكون حد من معارفها، وهي كان الكل بيحبها وده متوقع جدا، قربت من مكان الصوت عشان اشوف واحدة قاعدة وساندة على قبرها وبتبكي، الساعة كانت داخلة على عشرة بالليل والجو ليل والمكان مُخيف، فكرت أتراجع بس مقدرتش أسيب واحدة هنا وممكن تتعرض لأي أذى..
قربت منها بهدوء واقبل ما انطق بنص كلمة اتلفتت ليا وبصتلي بصة جمدت الدم في عروقي، دي، دي أسماء اللي لسة دافننها من دقايق بس، اسماء قاعدة في التراب ووشها متوسخ بالطين ودموعها لونها احمر دموي مُرعب..
وقتها فقدت الحركة، وكأني اتضربت بمطرقة من النار على جسمي، بس هي مفضلتش مكانها، لقيتها بتمد ايديها ناحيتي كأنها عايزاني اروحلها، دموعها بتسيل اكتر كأنها بتطلب مني المساعدة، شعر جسمي وقف اكتر وحسيت اني بقع في دوامة كلها ظلام، والوقوع في قلب المقابر مُرعب، معناه هلاك كامل..
بدأت اتحرك لورا وابعد، وهي بدأت تزوم لما لقتني ببعد عنها، كأنها بتحذرني من البُعد، ولما بعدت اكتر بدأت تمشي ناحيتي زي الحيوان على أربع وتزوم اكتر، وبهدوء تام شاورتلي ناحية باب القبر في علامة صريحة انها عايزاني، وقبل ما تتحرك اكتر صرخت، صرخت عشان جسمي يستجيب واجري زي الممسوس برة المكان كله، جريت وجريت لحد ما وصلت لبيتي، وصلت منهار، مش قادر اتنفس ولا اتحرك..
دخلت اوضتي واترميت على السرير، اترميت زي الميت، فاقد القدرة على التفكير، حاسس اني تايه، مشتت، مشلول العقل والجسم، ونمت، نمت ومعرفش ده حصل ازاي..
بس مسافة ما نمت شوفت نفسي واقف جوة قبر مفتوح، وجمبي واقفة اسماء بنفس الشكل اللي شوفتها عليه، هدومها مقطعة ووشها متوسخ ولسانها طالع منها بطريقة مخيفة، باب القبر كان مفتوح بس هي كانت عايزة تقفله علينا، وانا كنت رافض وقلقان ومرعوب، بدأت تفكرني بحبي ليها واني كنت بتمناها، واني لازم افضل معاها هنا وهي هتديني كل حاجة انا عاوزها..
بس انا مكنتش أتخيل اني يتقفل عليا انا وهي باب قبر، دفن كامل بالحيا، وباب القبر لما بيتقفل مبيتفتحش تاني، يعني هفضل طول عمري معاها هنا، في الوقت ده قربت مني وبدأت تحضني بطريقة شهوانية، عشان استسلم، وعشان تقفل الباب علينا، بس انا هربت، هربت من تاني ورفضت..
صحيت من نومي حاسس بثقل غريب، كأن فيه جبل محطوط على جسمي، عرقان، قلبي بيدق، ومسافة ما فتحت حسيت بجسم نايم جمبي على السرير، بصيت بتوتر ورايا ولقتها من تاني، بنفس الشكل المُرعب، زقتها بفزع وصرخت، وقعت في ظلام الاوضة وحسيت بيها بتنزل تحت سريري..
قمت منفوض وفتحت النور ودورت عليها في كل مكان، بس مكانتش موجودة خالص، وقتها وقعت في نوبة بكاء هستيري من الحزن والخوف والتوتر، بكاء فرغت فيه كل انفعالاتي..
وللأسف تلت ايام مروا عليا زي الجحيم، أحلام مخيفة كلها جوة القبر، وبقت بتظهر في كل مكان، المراية، الدولاب، تحت السرير، لحد ما في اليوم الرابع كنت في اوضتي منهار، سمعت أمي بتنادي عليا، روحتلها في اوضة الضيوف لقتها قاعدة مع والدة أسماء..
بصيت لأمها بصة غضب شديدة وكنت اتمنى لو خنقتها بإيدي، سبتهم ودخلت جوة بس امها قالتلي:
– بالله عليك يابني تعالى بس شوف اسماء كانت عاوزاك في ايه
كلامها خلاني اتجمد مكاني، هي اسماء ماتت ولا لا، ولو ماتت، هل هي عملت ذنب وبتتعذب بسببه ولا ايه، وليه بشوفها في الشكل المرعب ده، يمكن الاقي عندها حلول..
رجعتلها لقتها بتديني ظرف مكتوب عليه اسمي، وقالتلي ان اسماء كتبته قبل ما تموت مخصوص ليا..
خدت الورقة منها بقسوة وسبتها ومشيت، دخلت اوضتي وفتحت الورقة بلهفة، ولقيت فيها الآتي:
“قدر الله دائمًا هو الخير، وإن لم يكن لنا لقاء فأرجو ان تقبل ترشيحي هذا لك، فتاة تليق بك وتستحق قلبك ونفسك، فتاة ستصون عِرضك وتُبهج قلبك، فإن كنت ستأخذ بحديثي الأخير لك فإني ارجو أن تكون صفاء حسين من نصيبك”
فضلت مكاني مش مستوعب للوهلة الأولى، هي بترشحلي بنت اتجوزها ليه، وده ايه علاقته باللي بيحصلي بسببها، وهل دي وصية منها كتبتها لما حست انها هتموت ولا ايه، حسيت ان دماغي هتسيح، واني شوية وهموت من التفكير، روحت أصلي العشا في المسجد وقعدت شوية اقرأ قرآن، ووسط كربي ودعواتي لقيت صديق قديم بيسلم عليا بحرارة شديدة، استقبلته ببهجة شديدة وقعدت اتكلم معاه، كان آكبر مني في السن وكان بيدينا دروس دينية من سنين طويلة..
وبدون مقدمات حكتله كل حاجة، وحكتله عن احساسي ان البنت عملت ذنب او فيه حلقة مفقودة مش مفهومة، فكر شوية وبعدها رد عليا بكل هدوء
“موت البنت قدر كان هيحصل وان كان السبب للأسف امها لأني عرفت انها مكانتش متقبلة ابن خالتها بأي شكل، بس يابني اللي بيموت خلاص بيروح لعالم تاني، عالم البرزخ، واللي بتشوفه ده مجرد قرين حزين عليها، قرين معاه ذاكرة اسماء وعارف انها كانت بتحبك، عشان كدا لما شافك حاول يقرب منك تحقيقا لرغبة صاحبته اللي ماتت، وكأنه بيراضيها بعد موتها، بس بيراضيها بطريقة حرام، لأن العلاقة دي مؤذية ليك بطريقة مخيفة، مؤذية وكأنها قبر وهيقفل عليك للابد”
” والحل طيب”
” القرين سهل أوي يمشي من حياتك، التحصين لوحده كفاية، وانك تنفذ رغبة اسماء وتتقدم للبنت التانية ده هيخليه يرضى برضه لأن دي كانت رغبة اسماء، وانا واثق انك لو اتقدمت للبنت التانية واتحصنت ونفذت وصية أسماء مش هتشوف حاجة تانية، وادعيلها، ادعيلها كتير”
كلامه كان منطقي، منطقي جدا، ده مجرد قرين حزين لموت صاحبته المفاجئ، وده اتأكدت منه بعد شهرين لما داومت على الأذكار والاحلام هديت خالص، وانتهت تماما لما قررت اروح اتقدم لصفاء، صفاء واهلها اللي وافقوا بيا فورا، ونفذت وصية أسماء، وفعلا كان اختيارها عظيم، لأني اتجوزت بنت تشبهها في كل صفاتها، وكأنها حتى قبل ما تموت قررت تعمل الخير في الانسان اللي بتحبه ولو على حسابها..
الأغرب بقا واللي حصل بعد سنتين ان امها جالها شلل وبقت قعيدة بطريقة مفاجئة ومحدش عارف السبب، بس انا كنت عارف، عارف ان سبب فساد مجتمعنا كله اننا بقينا بنقيم الناس على اساس فلوسهم بغض النظر عن الدين والخُلق، وده خلانا نوصل للكوارث اللي بقت بتحصل عندنا من طلاق وخيانات وفواحش، وكل ما هنبص للفلوس على حساب الدين المجتمع هيغرق اكتر واكتر، وللأسف الضحايا هيكونوا اسماء..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………..
إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ” رواه الترمذي
تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي

More Stories
“عبور 360”.. عينُك الشاملة على نبض مدينة العبور وخدماتها
انطلاق برنامج تأهيلي وتدريبي لموظفي هيأة التأمين الطبي
تكريم دولي للكاتب الصحفي نزار الخالد بأعلى الأوسمة تقديراً لدوره في السلام وتعزيز العلاقات الأفريقية الآسيوية