“البنت دايما مقهورة ومظلومة في مجتمع ذكوري متخلف ولا يعرف شرع ولا دين”
منهج انتهجته حتى النخاع جوايا وتشبعت بأفكاره لأبعد مدى، بس مكنتش أقدر اتكلم بنص كلمة في مجتمع ريفي بيقدس العادات والتقاليد، مجتمع أجبرني ابقا فتاة مختمرة ممنوع خصلة من شعري تظهر قدام الأغراب، ممنوع صوتي يسمعه غريب، وحتى خروجي ودخولي للبيت بمواعيد مُحددة، كل ده كان بيربي جوايا غليان من حياتي، كرهت الفلاحين بطباعهم وأفكارهم وحتى كرهت كل ست متقبلة الحياة دي..
بس النور كنت دايما شايفاه من بعيد، جامعة القاهرة اللي هتكون أكبر سبب اني أخرج من المجتمع المقفول العقيم ده واشوف النور، اشوف الحياة وادوق طعم الحرية اللي اتحرمت منها سنين، الحرية اللي كنت شايفاها جوة كل بنت قدرت تثور وتحقق ولو جزء من حريتها دي..
اجتهدت في الثانوية اجتهاد مبالغ فيه عشان اقدر ادخل كلية قمة، وعشان تبقا ورقة ضغط على ابويا اللي هيبقا صعب يرفض ان بنته تلتحق بكلية كبيرة، عشان اقدر اسكن في سكن جامعي واتحرر من قبضة مجتمعية من حديد ملتهب بالنار والتخلف الفكري..
وقد كان، بعد نزاع طويل مع والدي لقيت نفسي في أيام بقدم في كلية صيدلة جامعة القاهرة، ولقيت نفسي في يوم وليلة طالبة في سكن جامعي، حُرة، حرة بتملك زمام الامور، بتخرج وتيجي وتشوف القاهرة اللي طالما سمعت عنها، ايوة انا القروية اللي نفسها تغويها اضواء المدينة، عاوزة أعيش واشوف الحياة اللي اتحرمت منها كتير..
وبدأت الدراسة وبدأت معاها طموحات كبيرة وشعور بالنشوة والحرية، وبدأت نوعا ما اتعرف على زميلاتي في السكن الجامعي، اختلاف ثقافات وتفكير كبير خلاني أعيش في وهم كبير، بل واشتعلت جوايا غريزة الظهور وبدأت نوعا ما اعمل حاجات مكنتش بعملها..
بدايةِ من الميكاب اللي كان بيزود بريقي وسط البنات للتساهل مع الكلام مع زمايلي الشباب رغم تحذير ابويا المستمر، بس اعتقد خليه هو في بلده وتفكيره وخليني انا بقا في حياتي اللي اخترتها بنفسي..
وبدأت اشوف كل احلامي في بنت معانا اسمها كريمة، بنت قادرة تخطف الانظار بكل حاجة فيها حرفيا، كلامها، لبسها، ملامحها، وحتى صمتها كان مُلهم، بنت غريبة بتلبس كمية اكسسوارات غريبة ومخيفة في نفس الوقت..
بس كنت شايفة فيها مثال، مثال للفتاة الاسطورية اللي اختارت طريقة حياتها حتى لو كانت غلط، وبدأت اقرب منها نوعا ما، بس كانت دايما بتتجاهلني وبشوف في عنيها نظرات احتقار، احتقار للبنت المختمرة اللي بتتكلم بلهجة فلاحي كوميدية بالنسبالهم..
وده خلق جوايا ضيق كبير، ضيق خلاني اغير من ستايل لبسي في شهر واحد بس، ضيق خلاني اغير طريقة كلامي واردد مصطلحات مكنتش اقدر انطقها في يوم من الأيام، ودي كانت القرابين اللي خلت كريمة ترضى عني وتسيبني اقرب منها واحدة واحدة..
كريمة اللي كانت منتهجة منهج واحد بس، انا هعمل اي حاجة وقدام اي حد، كانت بتدخن قدامنا، وتكلم شباب وبكلام صعب قدامنا، بل وكانت بتسب وتلعن ليل نهار بكلام غريب وصعب جدا..
ورغم نفور البعض منها الا انها في مرة نعتتهم بالنفاق قدامي، بل وقالتلي ان كلهم نفسهم يعملوا ربع اللي انا بعمله ده من جواهم، بس خوفهم من المجتمع مانعهم، دول ولا يعرفوا دين ولا شرع..
ورغم كلامها اعجبت بيها اكتر، وشوفتها مثال مصغر للحرية المطلقة، لحد ما خدت الخطوة اللي ودتني في ستين داهية، بعد خلافاتها مع البنات قررت اتنقل معاها اوضتها، وبدأت على مدار ٢٤ ساعة اتعامل بطريقتها، واقرأ رواياتها النسوية، بل واسمع كلامها مع ناس غريبة ومش مفهومين..
ودايما كانت بتحكيلي على خروجاتها على الكافيهات كأنها بتروح ارض السحر، كأنها بتسافر للجنة، وكل ليلة كانت بترجع السكن بعد نص الليل، ولما كنت بسألها ازاي بتدخل السكن والبواية بتتقفل الساعة ١٠ جاوبتني بأكتر جملة داعبت ذهني وتفكيري
“القوانين دي اتعملت للاغبيا، اما الذكي هو اللي هيشوف الثغرة ويستغلها في القانون ده، وكل قوانين العالم مليانة ثغرات، ده مش قانون إلهي”
وعرفت انها متفقة مع واحد من الأمن وبتدخل وتخرج بسهولة، ومن كتر تأثري بيها طلبت منها أسهر معاها في يوم على كافيه من الكافيهات اللي بتروحها، وبعد تفكير طويل قالتلي ان هيئتي محتاجة تتغير كتير، انا بنت تقليدية والعالم ده محتاج المختلفين..
وانا كنت مستعدة اقدم اول تنازل حقيقي، ولأول مرة قلعت خماري الكامل ولبست بنطلون، وخرجت كأني عريانة، بس هي كانت بتوأد اي تفكير او ضمير بيحاول يصحا جوايا بكلماتها السحرية، حياتنا هنعيشها مرة واحدة وكل حاجة تستحق التجربة في الدنيا دي..
ونزلنا وسط البلد وروحنا كافيه في مكان غريب اوي، حسيت لوهلة اني داخلة ارض الشيطان، بداية من شكل باب الكافيه الاسود والمزيكا الشيطانية اللي شغالة، وحتى مناظر البنات والشباب جوة..
اللي حاطة وشم، واللي لابسة لبس فاضح، واللي بتشرب شيشة، واللي بتدخن واللي قاعدة وسط عشر شباب وضحكتها اعلى من العشرة..
الارض المحرمة، ايوة دخلتها، كنت مبهورة، عنيا بتحضن كل مشهد، حاسة رغم تأنيب ضميري بالحرية، وقعدت مع كريمة اللي بدأت تدخن سيجار فخم وتلعب معايا لعبة مثيرة، ازاي بعنيها هتستقطب اي شاب قاعد في الكافيه، ازاي هتذله وتخليه زي اللعبة في ايديها..
كانت بتفكرني بآلهة الاساطير الاغريقية، ليلث وعشتار وغيرهم، وفضلت متفرجة لوقت طويل، بتابع لشهر كامل، بس لو دخلت الكافيه بعد شهر واحد هتلاقيني عاملة وشم ورا ودني وبضحك بصوت جهوري وماسكة الشيشة وبشيش..
ايوة مانا في الأرض الملعونة ولازم اللعنة تطولني، حتى لما كريمة مكانتش بتروح كنت بروح لوحدي، وكنت بجمع حوليا شاب واتنين وانتقم منهم، كنت شايفة فيهم مثال لكل راجل كبت حرية الست في الريف، كنت شيفاهم يستحقوا..
بس المشكلة الكبيرة بدأت تظهر، الماديات، كافيه زي ده محتاج ١٠٠ جنيه يوميا، وكريمة بدأت ترفع ايديها في الدفع، لدرجة اني فضلت اسبوع مبروحش، ووقعت في نوبة اكتئاب كبيرة..
وجت نصيحة الشيطانة كريمة، قالتلي هحطك على أول السكة وانتي وشطارتك، نص البنات هناك بيعيشوا على فلوس شباب معين، وانا هقعدك مع كذا شلة وانتي وشطارتك، خليكي صديقة وفية وهتلاقي اللي يدفعلك..
مبدأ فتيات الليل، بس انا كنت غرقت للقاع، روحي نفسها اتلوثت، ومش شايفة حرية غير في المكان ده، وقعدت مع شلة واتنين وتلاتة، لحد ما اندمجت انا وكريمة مع شلة فيها ست بنات واربع شباب، كبيرهم كان اسمه مانو، شاب معاه فلوس كتير، كتير اوي، وكل قعدة كان بيقوم يحاسب على المشاريب..
صيد سهل، وقعدة مضمونة، بس تحذيرات كريمة كانت دايما شغالة، انا مملة في القعدة، مبهزرش بإيدي، ببعد لما شاب يقعد ويلزق فيا، ولازم تنازلات والا هفقد المكان المهم ده..
عقلي كان حاضر بس مشاعر الغضب والغرور جوايا كانت بتمنع ضميري انه يصحا، وبدأت اقدم تنازل في التاني في التالت، لحد ما بدأت اقابل مانو لوحدنا، وبدأت علاقة تنشأ ما بينا، علاقة غريبة من نوعها، شربني الكحول وكل انواع الدخان، خلاني اتعامل بدون أي خوف او قلق اطلاقا..
لحد ما خدني للعالم الاكثر اظلاما، نص الكافيه اللي جوة كان للدعارة حرفيا، وقليل من رواد الكافيه اللي يعرف ده..
ووقعت، وقعت في علاقة آثمة دمرت عذريتي بعد تلميحات منه طويلة، وبعد تسهيل كبير بكلام كريمة عشان اضمن انفاق مانو الدايم، بل وعرفت ان كل البنات عملوا معاه كدا وده شيء طبيعي، وبدأت اترعب، اترعب مش من جريمة الزنا وجهنم، بل اترعب بس من اني مبقتش بنت..
وبدأ استخفاف واستهزاء كبير من البنات، الموضوع سهل والعلاج اسهل، وعرفت ان مبقاش اسهل حاليا من مداواة العاهرة قبل الزواج عشان ترجع عذراء..
وعملت علاقة، واتنين، وعشرة، ومع شاب واتنين وتلاتة، بل وبقيت بدفع مقابل قعدتي من جسمي وشرفي وكرامتي، بل ومانو بقا بيجامل صحابه بيا، وكله في نص الكافيه المُظلم، النص اللي بيسكنه الشيطان..
وكانت ناقصة اوضة واحدة بس مدخلتهاش، الاوضة دي كان بيتدفع ليها فلوس كتير اوي عشان يتم فيها لعب العاب زي ويجا وتشارلي وعمل الوشم الشيطاني وممارسة عبادة الشيطان..
وده المكان الوحيد اللي كنت عايزة اهرب له من شعوري بالرخص اللي بقا ملازمني، من شعوري بالدونية والاستهلاك، لدرجة ان البعض بقا بيقرف حتى يشتهيني..
ودخلت مع شلة جديدة الاوضة مرات، مرة رسمنا وشوم شيطانية، ومرة رسمنا نجمة سداسية وعملنا تعويذة سحر، ومرة لعبنا العاب شيطانية غريبة..
لحد ما جه اليوم الاسوأ في حياتي، دخلت مع شلة زعيمها شاب مهووس بالجن والشياطين، البعض كان بيقول انه ملبوس من جنية من المردة، ودفع كتير لبنت معانا عشان يمارس طقس سحري معين..
شرب مخدرات كتير يومها ودخلنا كلنا، رسمنا نجمة سداسية ووقفنا على اطرافها، والبنت مددت قدامه وحط الخنجر على رقبتها وبدأ يترنم بترانيم غريبة، كانت تعويذة قربانية غريبة، بس اللي حصل بعد لحظات كان كابوس البشع.. بقلم.. أحمد محمود شرقاوي
الشاب اتجنن تماما ونظرات عنيه اتغيرت ودبح البنت بالخنجر، دبحها وشوفت نظرات عنيها وحشرجة صوتها البشع، وبدأت صرخات البنات تملى المكان..
وكل حاجة حصلت بعدها في لحظات، رواد الكافيه اقتحموا المكان، مسكوا الشاب، والمباحث حضرت، واعترف عليا وعلى كل اللي شارك وقال اننا شركاء في الجريمة..
وتاني يوم بعد ليلة من الفزع جت الشرطة قبضت عليا من مبنى الكلية، واتوجهتلي تهمة القتل العمد وتهم تانية كتير..
واتفضحت، واهلي اتفضحوا، واتكتب عننا في الجرايد، شباب جامعي ينتهج منهج الدعارة والسحر والشذوذ يقتلون زميلة في إحدى جلسات السحر..
لو حكتلك انا نفسيتي عاملة ازاي دلوقتي مش هتصدقني، انا في السجن مستنية حكم المحكمة، اهلي اتبروا مني بل وبلدي كلها، فقدت حياتي كلها ومستقبلي مقابل حرية زايفة..
اتخدعت زي ما فيه مليون بنت مخدوعة وفاكرة ان الحرية هي صحوبية الشباب والدخان والانطلاق بدون قيود، انا اكتشفت ان الحرية كلها في خوف الأب والأخ، الحرية وكل الحرية في احتشام الجسم والعقل والصوت، الكرامة والشرف والعفاف في وجودك في بيتك محافظة على نفسك حتى من نظرات الناس..
وان اي حرية مزعومة نهايتها قاسية اوي، وان اي شاب هتتنازلي عشانه او عشان اي حرية هيتعامل معاكي كسلعة جنسية، عاهرة رخيصة، ونهاية العاهرات دايما مأساوية، يارتني ارجع تاني المختمرة اللي ابوها واخوها بيزعقولها لو ضحكت بصوت عالي، يارتني ارجع الحُرة في بيت ابويا، البنت اللي محدش يعرف يبصلها بصة، مش البنت اللي بقت زي المراحيض العامة، البنت اللي تستحق الموت..
“جريدة ال…. السبت ٢٨ فبراير لسنة ٢٠١٤
انتحار فتاة من فتيات ممارسة الشذوذ والسحر قبل محاكمتها بأيام”
“فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا”
أحمد محمود شرقاوي

More Stories
“عبور 360”.. عينُك الشاملة على نبض مدينة العبور وخدماتها
انطلاق برنامج تأهيلي وتدريبي لموظفي هيأة التأمين الطبي
تكريم دولي للكاتب الصحفي نزار الخالد بأعلى الأوسمة تقديراً لدوره في السلام وتعزيز العلاقات الأفريقية الآسيوية