أكتوبر 14, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

المقابر المنسية.. بقلم أحمد محمود شرقاوي

في بلد جمبنا فيها مكان مهجور تماما عبارة عن اكتر من ميت مقبرة محدش تقريبا بيقرب منهم تمامًا, لدرجة انه مع مرور السنين المقابر دي اتسمت بالمقابر المنسية, وبقا ممنوع منعًا باتًا حد يقرب منها أو يعدي من جمبها, لغز مثير كان بيداعب خيال اطفال النجوع المجاورة انهم يروحوا يستكشفوا المكان, بس بعد اختفاء طفل واتنين وتلاتة الأهالي حطوا غفير على أول الطريق الوحيد اللي بيودي للمكان, بل وسمحوله يضرب نار على أي حد يفكر بس يقرب من المكان..
وعدت السنين, والمكان ذِكره بقا نادر جدا والناس اتلهوا اكتر واكتر في أكل العيش, بس دايما كنت بشوف نظرات الخوف في عيون الأهالي لما كان المكان بيتذكر ولو على سبيل الصدفة, وكان دايما فيه سؤال متعلق في الفراغ مالوش أي اجابة
“ليه النجع اللي جمب المقابر كله اتهجر بدون أي سبب مفهوم”
“وليه الناس مترجعش تسكن النجع من تاني خاصة ان البيوت لسة مبنية فيه لحد يومنا هذا”
وفضل السؤال يدور بدون ما نلاقي له اجابة واضحة, بس الزمن بيعلمنا ان مهما حاولت الحقايق تستخبى فهيجي عليها اليوم اللي هتخرج للنور من تاني مهما كان, ودي الحقيقة اللي انا كنت مؤمن بيها تماما..
لحد ما جت الليلة اللي قررت تفصح قدامي عن كل الأسرار المستخبية في النجع ده, كنت يومها راجع الساعة 12 بالليل بالعربية النقل ومعايا بضاعة بما اننا تجار فاكهة انا ووالدي, ويشاء ربك ان العربية تعطل قبل بلدنا بمسافة 5 كيلو تقريبا, والاسوأ ان تليفوني كان فصل شحن كمان, وكأن المصايب لا تأتي فُرادى, نزلت من العربية ووقفت على الطريق الترابي اتابع بعنيا الطريق الفاضي وانا واثق تمام الثقة ان صعب حد هيعدي في الوقت ده من الليل, فكرت كتير في حل بس للأسف كل الحلول كانت صعبة التحقيق, وحتى فكرة اني اسيب العربية وامشي كل المسافة دي كانت مرهقة جدا..
بصيت حوليا عشان اقيس الوضع, عن يميني ترعة كبيرة وعن شمالي أرض زراعية والطريق الترابي في النص, وعلى ضوء القمر بصيت للي بعد الترعة ولمحتها, رغم اني بعدي كتير أوي من المكان ومكانتش بتشدني, بس وانا قريب كدا والمكان ليل استشعرت حضورها الطاغي..
أضرحة المقابر المنسية, كانت على الجنب التاني من الترعة واقفة بشموخ زي الجبال, معرفش ليه غصب عني افتكرت محاولتنا انا وصحابي زمان لما كنا بنحاول نروح هناك رغم اننا في نجع بعيد شوية عنها, بس الحكايات دايما كانت بتتقال عليها بتثير جوانا الف الف سؤال..
ووسط شرودي الغريب ده شوفت على الجانب التاني بنت شابة واقفة بتشاورلي بطريقة غريبة, كأنها طالبة مني مساعدة أو بتحاول توصلي رسالة ما, طول عمري عارف ان المكان ده مهجور تماما, معررفش ازاي البنت دي وصلت هناك, وكمان مفيش أي معدية اقدر اعدي من خلالها الترعة عشان اوصل لها..
فضلت ابص يمين وشمال عشان اعرف اعدي, في اللحظة دي لقتها بتشاور على ماسورة كانت معدية من فوق الترعة على المية, ماسورة من اللي بيعملوها معديات لكابلات الكهربا الضخمة..
وكأنها بتقولي احفظ توازنك وحاول تعدي من عليها, حاولت اتجاهل نجدتها او حتى اتكلم معاها بس كانت مُصرة اني اعدي الناحية التانية, وان بدون تفكير كتير بدأت امشي على الماسورة الحديد بهدوء شديد خوفا من اني أقع في الترعة دي..
وبعد عدة محاولات بالفعل قدرت اني اعدي من عليها واوصل للجانب التاني, بس المُخيف بقا اني لقيت البنت وكأنها اختفت تماما, مكنش ليها أي اثر في المكان اللي كانت واقفة فيه, والأغرب اني شوفتها واقفة هناك, عند المقابر المنسية, وكانت برضه بتشاور بطريقة غريبة, معرفش هي ازاي لحقت تروح هناك, ومعرفش دي ممكن تكون مين..
بس حسيت لوهلة ان الموضوع بقا مخيف نوعا ما, ولقيت نفسي بحاول أعدي من على الماسورة الحديد من تاني, بس الغريب ان الموضوع كان مستحيل تماما, مع اني عديت من الناحية التانية لهنا بسهولة, اما دلوقتي فكل ما احط رجلي على الماسورة احس اني هتزحلق وهقع..
حاولت كتير بس معرفتش, ولقيت نفسي مضطر اني امشي من ناحية النجع ده لحد ما اوصل للبيت بتاعنا وابقا أرجع اجيب العربية الصبح, اتحركت ناحية أضرحة المقابر اللي كانت مهجورة بطريقة غريبة, مقابر كأنها من عالم تاني تماما, تحس لوهلة ان لونها أحمر مش مجرد مباني, وكأنك اتنقلت لعالم تاني خالص, كمان الصمت هنا كان شديد أوي, حتى صوت الرياح وصوت خطواتي مش مسموعين اطلاقا..
قربت نوعا ما من المقابر عشان اعدي من خلالها للناحية التانية ومنها هعرف أوصل للبلد بتاعتنا, في اللحظة دي وبدون اي مقدمات شوفت البنت من تاني واقفة قدامي, وبالأخص قدام قبر ضخم شوية, كانت ثابتة زي التمثال مبتتكلمش, حاولت قرب منها طلعت تجري واختفت من تاني وسط المقابر, بصيت على القبر لقيت مكتوب عليه جملة غريبة أوي
“هذا جزاء من يعصي أوامر سيدنا”
مبقتش فاهم معنى الجملة بس مكنش ينفع اقف كتير في مكان زي ده, خاصةً لما ظهرت البنت من تاني وبدأت تبكي بصوت مسموع واشوف من عنيها دموع بتنزل بس بلون أحمر دموي, وقتها بدأت اتأكد ان المكان ده ملعون, واني لازم أخرج من هنا في أسرع وقت ممكن, خرجت من المقابر ناحية البيوت القديمة اللي اتهجرت من زمان, بس كل ده وانا سامع صوت بكاء البنت وخطواتها ورايا, بدأت فعلا اخاف وقلبي يدق بعنف..
ووسط الجري اللي انا فيه شوفت نار غريبة ماسكة في بيت من البيوت وصوت صراخ رهيب جاي من هناك, جريت على مكان النار لقتها طفت بسرعة غريبة, ولسة البنت بتبكي وبتمشي ورايا باستمرار..
في اللحظة دي بس شوفت راجل شكله غريب بيقبض على البنت بعنف وبيحاول يغتصبها قدام عنيا وهي بتصرخ وبتستغيث, رجعت بسرعة عشان انجدها بس اختفت هي والراجل, وقتها بس جريت, جريت من المكان كله وانا عمال استعيذ بالله من شر شياطين الجن..
وفين وفين لما خرجت من النجع كله, وفجأة اتسمرت مكاني على صوت شخص بينادي عليا بغضب, كان غفير المكان اللي كان ماسك سلاحه بتحفز وهو بيتكلم معايا, اتكلمت معاه وعرفته اللي حصل معايا وهو نوعا ما بدأ يهدى لما عرفته بنفسي, قعدت معاه شوية نتكلم وحاولت استدرجه عشان أعرف منه حكاية النجع الغريب ده ايه..
اعترض كتير انه يحكي بس مع اصراري بدأ يحكيلي حكاية غريبة اوي..
قالي ان النجع ده كان بيتعمل فيه مولد السيد زهران كل سنة, وان اهل النجع كانوا بيقدسوا السيد زهران ده بالمعنى الحرفي, خاصةً انه كان راجل متمرس في السحر الاسود لأقصى درجة, وبما ان أهل النجع كانوا خمسين بيت فمكنش حد هيقدر يقف قدام سطوته ونفوذه, خاصة ان السحر بتاعه كان فوق الوصف..
لحد ما راحله في ليلة شاب بيطلب منه سحر محبة عشان نرجس تحبه وتقبل بيه كزوج, السيد زهران عمله حجاب محبة بس لسبب غريب قرر يزور بيت نرجس نفسها ويشوفها ليه معترضة على الشاب بما انه يعتبر كبير البلد..
راح هناك والبنت عجبته جدا, خاصةً انها كانت آية من الجمال, وطلب البنت لنفسه بس ابوها رفض, وفي موقف غريب لما شدوا في الكلام ابو نرجس قاله انت ساحر وكفرت بالله وانا مش هديك بنتي..
موقف زي ده هز هيبة زهران بطريقة رهيبة في النجع, لحد ما قرر يهجم على بيت الراجل ويحرقه هو وابنه وبنته نرجس بعد ما اغتصبها قدام أهل النجع كلهم اللي محدش فيهم قد يعترض ولو بنص كلمة كأنهم مغيبين تماما..
بل ودفنهم في قبر أكبر من قبور البلد عشان يبقا عظة للناس وكتب على القبر
“هذا جزاء من يعصي أوامر سيدنا”
واستمر الحال لشهر واحد بس, وبعد الشهر بدأ حال النجع يتغير بطريقة غريبة, الأراضي رفضت تطلع محصول, والبيوت نفسها بدأت تتحرق من نفسها, حتى بعض الناس كانوا بيقولوا ان فيه واحدة بتستدرج اهل البلد بالليل ناحية المقابر وتقتلهم..
ومع استمرار الحوادث دي بدأ الناس غصب عنهم يسيبوا النجع ويهربوا منه, حتى زهران في يوم وليلة اختفى بطريقة غامضة ومخيفة, واستمر الرعب على أهل النجع لحد ما سابوا المكان كله وهربوا, واتهجر المكان وحتى المقابر اتقال عليها “المقابر المنسية”
محدش عارف ايه اللي حصل بالظبط, بس الأكيد ان الأرض دي اتلعنت بالظُلم اللي ارتكبوه, واتلعنت بكل الناس اللي عليها اللي قرروا يحطوا مصيرهم واختيارهم كله في ايد ساحر ملعون, ونزل العقاب على الكل مفرقش بين راجل أو ست..
ومشيت, مشيت وانا متعجب من فكرة الخضوع والاستسلام جوة نفوس البشر, الخضوع والخوف اللي يخليك تتبع كافر, قاتل, منتهك اعراض لمجرد انك خايف, وده أكدلي حقيقة واحدة بس, حقيقة بتقول
“وما كان ربك نسيا”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي