مكنتش متخيلة ان جوزي ممكن يفتح مقابر العائلة انهاردة عشان يدفن اخته, ويرجع يفتحها مرة تانية بس عشان يدفن نفسه هو, ومكنتش أتخيل ان افعالي يكون عقابها بالقسوة دي, بس انا اتعلمت, اتعلمت بعد فوات الأوان, اتعلمت بعد ما كنت السبب في غضب يجتاح الأموات, ويمكن غضب كل اللي بيسكنوا مع الأموات..
في الليلة دي وبدون مقدمات جالنا الخبر ان جوز اخت زوجي هويدا عمل حادثة كبيرة على الدائري واتنقل للمستشفى وهو في حالة خطيرة جدا, طبعا جوزي قام اتنفض من مكانه وطلع على المستشفى وانا معاه ومن جوايا بلعن التليفون اللي لو كان فاصل ولا صامت مكناش هنجري في نص الليل كدا وانا هموت وانام..
مش عارفة انت ممكن تشوفني ازاي بس انا طول عمري مابحبش هويدا اخت جوزي, وبيبقا أصعب وقت على قلبي هو اللي بجتمع فيه معاها, دايما بشوفها مثال للست اللي بتتصنع المثالية بزيادة وبتحاول تظهر ولادها الاتنين في هيئة المُهذبين اللي مبتطلعش العيبة منهم, تمثيل احنا كستات فاهمينه كويس, بل واننا كستات عارفين انك نادرا لما هتلاقي واحدة كويسة من جوة ومن برة, ودايما سوء الظن هو الأمثل في تعاملاتنا ما بينا وبين بعض..
طلعنا المستشفى وطبعا قابلتنا هويدا وهي شبه منهارة واترمت في حضن اخوها, وانا واقفة عمالة أراقب كل ده بلامبالاة وشايفة انها مبالغة في تصرفاتها, بس مع وصولنا جه الخبر اليقين من الدكتور اللي خرج وأكد على موت جوزها لأنه حرفيا اتكسر في الحادثة, ووقعنا في نوبة بكاء شديدة انتهت باغماءة لهويدا اللي بيقال انها كانت مريضة بسرطان الدم مع اني مكنتش مقتنعة بكلامها..
وعشنا يومين صعبين ما بين الدفن والعزاء والاطمئنان على هويدا اللي بيقال ان حالتها كانت صعبة نوعا ما بسبب الحُزن والمرض اللي اجتمعوا عليها, واتورطت انا في مراعاة ياسين وسلمى ولادها, وكأن القدر بيعاقبني اني أراعي اولاد اكتر انسانة انا مبحبهاش في الدنيا, وجالنا اتصال اسوأ واسوأ لما بلغونا في المستشفى ان حالة هويدا حرجة جدا ولازم نحضر, ولتاني مرة أجري في المستشفيات مع جوزي عشان خاطر الهانم, بس يومها يمكن نوعا ما بدأت أشفق عليها لما شوفت وشها شاحب زي الأموات, وشفايفها زرقة ومشققة بطريقة مُخيفة, حتى نظراتها كانت زايغة, تايهة في ملكوت تاني, وكل اللي قالته لاخوها بعد ما مسكت في ايده بعنف:
– مش هوصيك على ياسين وسلمى, حطهم في عنيك لأني مش هعيش كتير
وفعلا كان كلامها صادق, لأنها تاني يوم وقعت في غيبوبة لمدة أربع أيام وبعدها ماتت, وفتحنا المقابر ودفناها وسط البكاء والعويل من تاني, بس كله بكاء مصطنع, لأن أول ما العزاء اتفض محدش سأل عن ولادها وكله مشي عشان يلحق مصالحه, وفي يوم وليلة لقيت جوزي جايب ياسين اللي عنده سنة وسلمى اللي عندها اربع سنين وبيقولي أراعيهم لأنهم ملهمش حد دلوقتي غيرنا..
طبعا ده كان وضع لا يُطاق بالنسبالي, خاصةً اني حامل ومستنية المولود اللي هيغير حياتي, واستحالة أقبل ان ابني يتربى مع اولاد هويدا اللي شبه أمهم في كل حاجة, وثورت, ثورت بل وسبتله البيت كله عشان يتصرف فيهم..
ولما فضل بيهم تلت أيام محتاس ومش عارف يشوف شغله جه يصالحني في بيت أهلي بس انا هددته بالطلاق, وهددته اني هاخد منه كل حاجة بالقانون لأني هكون حاضنة, الذهب والشقة والعفش والنفقات, وانا فاهمة وعارفة هاخد حقي ازاي, وهو خضع تماما, وبدأ يسايسني لأقصى درجة, بل ووعدني انه هيتصرف في أسرع وقت بس أرجع معاه..
وبعد اقناع كبير من والدتي قررت أرجع معاه وانا مغصوبة, واتحملت وجودهم أول يوم وتاني يوم, بس تالت يوم ثوت ثورة أكبر, ولميت هدومي وانا بقسم اني مش هعيش معاه من تاني لو مخدهمش حالا وداهم في أي حتة, وهو انصاع واترجاني ممشيش, وخد الأطفال وخرج, وفين وفين لما هديت وفتحت فيلم وقعدت اتفرج عليه, وبعد اربع ساعات كاملين لقيته راجع وشه مخطوف وعنيه تايهة ودخل البيت من غير ولا كلمة, حتي لما سألته على الأطفال مردش عليا من الأساس..
وانا كبرت دماغي طالما بعدهم عني انا كدا مرتاحة, ولازم اتعامل بمنطق الست اللي بتكافئ جوزها عشان انصاع ليها ونفذلها اللي هي عاوزاه, حاولت اتكلم معاه برقة ودلال بس صدني بطريقة غريبة ونام, ونمت جمبه وانا فاكرة ان كل حاجة انتهت, وان كل حاجة بقت تمام, بس مكنتش أعرف ان كل حاجت ابتدت مش انتهت..
بعد تلت أيام بالظبط جوزي اتأخر جدا في الشغل وتليفونه اتقفل, وفضلت مستنياه لحد الساعة 12 بالليل تقريبًا, وفي النهاية لقيته راجع مبهدل وهدومه كلها تراب ودخل ينام من غير ولا كلمة, حاولت أكلمه, استفسر هو كان فين بس هو كان فاقد النُطق تمامًا, مبيتكلمش, ودخل ينام زي الميت في السرير..
الغريب ان حاله بدأ يتغير بسرعة وبطريقة مُخيفة, بل وبقا صامت تماما, وكل يوم خميس تقريبا يتأخر ويرجع بالليل بنفس الشكل والمنظر المُخيف, راجل صامت تماما وعامل زي التمثال, نظرات عنيه يوم بعد يوم بتتحول بطريقة غريبة, توهان, شرود, وكأنه شايف حاجة انا مش شايفاها, أو كأنه بيكلم ناس معانا في الشقة..
وياريت الموضوع انتهى لحد كدا, بل تطور الموضوع واحدة واحدة لحد ما بقا كل ليلة يقوم من نومه مفزوع وكأن فيه حد بيحاول يقتله في نومه, وقتها مكنتش متحملة وأعصابي متدمرة بسبب قُرب الولادة, فكرت كذا مرة أروح اقعد الفترة دي عند امي لحد ما ينتهي الجنان ده, وفي يوم وانا بطبخ بالنهار سمعت صوت خبط في الصالة, خرجت أشوف فيه ايه وصُدمت لما لاقيت سلمى شايلة ياسين وبيلعبوا في الصالة..
فضلت واقفة مش فاهمة هما جُم ازاي في الشقة ومين دخلهم, كلمتهم تجاهلوني وكملوا لعب مع بعض, مقدرتش اتحملهم واتصلت بجوزي عشان يجي حالا, سبتهم في الصالة ودخلت المطبخ وانا هتجنن, مخنوقة من فكرة وجودهم وعايزة أعرف مين دخلهم عندي, بس أكيد جوزي اللي عمال يمثل الجنان عليا..
أول ما دخل من الشقة خرجت للصالة بس ملقتش الاطفال, دورت عليهم في كل حتة ملقتهمش, كلمته بانفعال وقلتله:
– مين جاب ولاد اختك هنا انهاردة
لقيت جسمه كله اتنفض وبدأ يترعش بطريقة غريبة, وقفت أبصله لأول مرة بخوف وكملت:
– ما تفهمني ولا هتعمل فيها مجنون كالعادة
وقتها ولأول مرة يقرب مني وهو عنيه جاحظة ومسك رقبتي بعنف وقرب من وداني اوي, حسيت بحرارة أنفاسه المخيفة وسمعت كلماته الغريبة:
– انا يوم ما طلبتي مني روحت دفنت عيال اختي مع أختي في قبرها وهما صاحيين, بس كل ليلة خميس بيقابلوني قدام البيت وباخدهم واروح ادفنهم تاني, ولو معملتش كدا هيجوا ياخدوكي انتي او ابنك اللي في بطنك, او هما عايزني أروح اعيش معاهم جوة القبر عشان تعيشي انتي
وقتها بس اتنفضت, اتنفضت مرة واتنين وتلاتة وقعدت على الكنبة مش قادرة انطق, وجوزي خرج من البيت خرج وانا فضلت مكاني مش قادر اتحرك, مش قادرة أتنفس, وغاب جوزي ليلة كاملة, غاب كتير أوي, وتاني يوم كانت الكارثة..
اتصلوا بيا عشان اتفاجئ بمصيبة نزلت فوق دماغي للأبد, التربي بتاع المقابر لقى آثار غريبة على قبر هويدا, ولما فتحه لقى جوزي ميت جوة ومعاه ياسين وسلمى, وبلغ الشرطة اللي حققت في الواقعة والدنيا اتقلبت..
جوزي مات, جوزي مات بطريقة بشعة, والأطفال اللي شوفتهم في صالة بيتي مكانوش بشر, وقتها كانت أعراض الولادة بدأت تظهر عليا أوي, كنت عند والدتي منهارة من الوجع والرعب والحزن على جوزي, حاولت انام مرة واتنين وتلاتة مقدرتش..
كانت الساعة واحدة بعد نص الليل, ووجع غريب بدأ يمسك في ضهري وبطني, كانت أول ولادة ليا ومش متخيلة اني هشوف وجع بالطريقة دي, ووسط الألم البشع ده فوجئت ببنت صغيرة واقفة قدام سريري وسط الضلمة, لسة هتكلم من المفاجأة زاد الوجع عليا أضعاف مضاعفة لدرجة اني صرخة الوجع مقدرتش أخرجها, في اللحظة دي سمعت حاجة بتهمس وبتقول:
– انا سلمى يا مرات خالي, جاية أطمن عليكي وعلى ابنك
وقتها جسمي كله اتنفض, وشعر راسي كله وقف, ورغم الضلمة كنت عارفة انها باصة ناحية بطني, ناحية ابني, قربت من السرير بهدوء شديد وانا جسمي مشلول وقلبي بيدق بهيستريا, سمعت همساتها من جديد بتقول:
– هيبقا طفل جميل أوي, ايه رأيك يجي يعيش معايا انا وياسين طالما انتي مكنتيش عاوزانا نعيش معاه
بكيت, بكيت بدموع كتير وانا مش قادرة انطق من القهر والفزع اللي انا فيه, وقتها صرخت الطفلة, صرخت صرخة خلت ازاز الاوضة يتكسر وقالت:
– ردي عليا.. ولا اقولك انا هخليه يجي عندنا, بس اياك يتدفن في مكان غير معانا, وإلا هاجي اخدك انتي
وضربتي على بطني, ضربتني ضربة حسيت معاها ان احشائي كلها اتفرمت, وكأن فيه عربية خبطتني في بطني, في اللحظة دي بس شوفت النزيف اللي نازل مني, وشوفت الموت قدام عنيا, وعرفت ان بعد الدم اللي بينزل زي الشلال ده انا استحالة هعيش, او استحالة ابني هيعيش, وجت أمي وشافت المنظر, وصرخت, وقتها بس قدرت أصرخ بأعلى صوت..
خدوني على المستشفى, وحصلي اجهاض شديد, وقدام عنيا رغم اني كنت متخدرة شوفت ابني نازل ميت من بطني, بل وسمعتهم بيقولوا انهم لازم يشيلوا الرحم كمان في أسرع وقت, اتدمرت, وحلم الأمومة انتهى في ليلة واحدة, وبقيت اكتر مرأة بائسة في العالم, فقدت جوزي وابني وحتة من جسمي خدت معاها أي أمل اني أكون أم..
بس كان لازم أصرخ, وابكي, واطلب ان ابني يتدفن في نفس القبر بتاع مرات خاله وولادها, لازم, وهددتهم اني هقتل نفسي لو ده محصلش, ورغم تحقيقات النيابة وافقوا في النهاية مراعاة لحالتي, واتدفن ابني, واختفت سلمى واختفى ياسين واختفى جوزي للأبد..
يومها بس عرفت ليه من صفات أهل الجنة كل لين هين قريب من الناس, لأن لين القلب والرحمة ده شيء مش سهل أبدا, وان ربنا نفسه رحيم وبيحب عباده الرحماء, وانا مكنتش رحيمة, وسبت قلبي على مدار سنين يتلوث بالكراهية والحقد والقسوة, نار فضلت تكبر جوايا لحد ما حرقتني للأبد..
ولو هنصح بنصيحة واحدة لكل ست هقولها خليكي لينة هينة..
مع جوزك
واولادك
وقرايبك
وأهل جوزك
ومع أطفالهم
متورثيش الكراهية لقلبك أو لقلب أولادك, خليكي مظلومة احسن الف مرة من انك تكوني ظالمة, واياك ثم اياك تعيني جوزك على كراهية أو نبذ أهله, لأنك وقتها هتتحرقي في النار اللي هتاكل قلبك وحياتك..
“فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ”
بقلم:أحمد محمود شرقاوي

More Stories
“عبور 360”.. عينُك الشاملة على نبض مدينة العبور وخدماتها
انطلاق برنامج تأهيلي وتدريبي لموظفي هيأة التأمين الطبي
تكريم دولي للكاتب الصحفي نزار الخالد بأعلى الأوسمة تقديراً لدوره في السلام وتعزيز العلاقات الأفريقية الآسيوية