بقلم كامل مراد
حِينَ يَنتَصِفُ العُمرُ بِأرقَامِه لَا بأقدَارِه، يَكتَشِفُ الإِنْسَانُ أَنَّ السَّنَوَاتِ مَضَتْ أَسْرَعَ مِمَّا كَانَ يَظُنُّ. يَنْظُرُ خَلْفَهُ فَيبصِرُ عُمْرًا كَامِلًا أَمضَاهُ فِي الكِفَاحِ وَالعَمَلِ، وَفِي بِنَاءِ أُسْرَةٍ، وَحِمَايَةِ أَحْلَامٍ صَغِيرَةٍ كَبِرَتْ مَعَهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ.
كَانَتِ الأَيَّامُ تَمْضِي بَيْنَ مَسْؤُولِيَّاتِ التَّرْبِيَةِ، وَمُتَابَعَةِ الدِّرَاسَةِ، وَالسَّعْيِ الدَّائِمِ لِتَوْفِيرِ حَيَاةٍ كَرِيمَةٍ لِلْأَبْنَاءِ، حَتَّى أَصْبَحَتْ تِلْكَ المَسْؤُولِيَّاتُ جُزْءًا مِنْ تَفَاصِيلِهِ اليَوْمِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَشْعُرْ بِثِقْلِهَا إِلَّا بَعْدَ أَنِ انْقَضَتْ.
وَفَجْأَةً، يَجِدُ المَرءُ نَفْسَهُ أَمَامَ مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الحَيَاةِ؛ مَرْحَلَةٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا وَأَقَلَّ ضَجِيجًا، لَكِنَّهَا أَكْثَرُ عُمْقًا وَتَأَمُّلًا. الأَبْنَاءُ الَّذِينَ كَانُوا يَمْلَؤُونَ البَيْتَ حَرَكَةً وَضَحِكَاتٍ أَصبَحُوا رِجَالًا وَنِسَاءً يَشُقُّونَ لِأَنفُسِهِم طَرُقَ الحَيَاةِ، وَتِلْكَ الأَيْدِي الصَّغِيرَةُ الَّتِي كَانَتْ تَتَشَبَّثُ بِأَيْدِي الآبَاءِ أَصبَحَت اليَومَ تَحمِلُ صِغَارَهَا!
في هذهِ اللَّحظَةِ المِفصَليَّةِ، يَتَجلَّى التَّحَوُّلُ الجَمِيلُ فِي مَشَاعِرِ الإِنْسَانِ. فَمَعَ إشرَاقَةِ وجهِ أوَّلَ حَفيدٍ، يُولَدُ فِي نَفسِ الشَّيخُوخَةِ رَبِيعٌ جَدِيدٌ، وَكَأَنَّ المَولَى -عزَّ وجلَّ_ يمْنَحُهُ فُرْصَةً ثَانِيَةً لِيُعانِقَ الدُّنيَا مِنْ جَدِيدٍ، وَلَكِن بِرُوحٍ أَكْثَرَ نُضْجًا وَقَلبٍ أعظَمَ طُمَأْنِينَةً.
إنَّ الأَحفَادَ لَا يَأْتُونَ إِلَى الحَيَاةِ بِمُجَرَد أسماءَ تُضَاف إلى شَجَرَةِ العَائِلَةِ، بَلْ يَحْمِلُونَ في أنفَاسِهِم دِفْئًا سِحرِيًّا يُعِيدُ تَرْتِيبَ المَشَاعِرِ الهَامِدَةِ في أعمَاقِ القُلُوبِ.
مَا إِنْ يُطِلَّ أَوَّلُ حَفِيدٍ حَتَّى يَكْتَشِفَ الجَدُّ وَالجَدَّةُ أَنَّ مِسَاحَةً جَدِيدَةً مِنَ الحُبِّ قَدْ فُتِحَتْ فِي أَعْمَاقِهِمَا، مِسَاحَةً لَمْ يَكُونَا يَعْلَمَانِ بِوُجُودِهَا مِنْ قَبْلُ. ذَلِكَ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الجُهْدِ كَيْ يَحْتَلَّ مَكَانًا وَاسِعًا فِي القَلْبِ؛ تَكْفِي ابْتِسَامَةٌ بَرِيئَةٌ أَوْ كَلِمَةٌ مُتَعَثِّرَةٌ أَوْ ضَحْكَةٌ عَفْوِيَّةٌ لِيُبَدِّدَ تَعَبَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ العُمْرِ خَلَّفَتهُ السَّنَواتُ.
وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا فِي عَلَاقَةِ الأَجْدَادِ بِالأَحْفَادِ أَنَّهَا عَلَاقَةٌ خَالِيَةٌ مِنْ ضُغُوطِ المَسْؤُولِيَّةِ المُبَاشِرَةِ. فَبَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الِانْشِغَالِ بِالتَّرْبِيَةِ وَالتَّوْجِيهِ وَالقَلَقِ عَلَى المُسْتَقْبَلِ، يَصبَحُ الحُبُّ أَكْثَرَ صَفَاءً وَأَقَلَّ تَعْقِيدًا. يَكْتَفِي الجَدُّ بِأَنْ يَسْتَمِعَ، وَأَن يَحْكِيَ، وَأَنْ يُشَارِكَ حَفِيدَهُ لَحَظَاتِ اللَّعِبِ وَالفَرَحِ، بَيْنَمَا تَكْتَفِي الجَدَّةُ بِأَن تَغمُرَهُ بِحَنَانِهَا الَّذِي تَرَاكَمَ عَبرَ السِّنِينَ حَتَّى أَصْبَحَ نَهْرًا دَافِقًا مِنَ العَطَاءِ لَا يَنْضَبُ.
إنَّ الأَحْفَادَ هُمُ المَرايا الَّتِي تَعكِسُ للأَجْدَادِ ذِكْرِيَاتِ زَمَنِهِم الجَمِيلِ. فَفِي مَلَامِحِهِمْ يُبصِرونَ أَبْنَاءَهُمْ صِغَارًا، وَفِي خُطُوَاتِهِمُ الأُولَى يَسْتَعِيدُونَ مَشَاهِدَ ظَنُّوا أَنَّهَا أَصبَحَتْ جُزْءًا مِنَ المَاضِي. وَمَعَ كُلِّ زِيَارَةٍ أَوْ لِقَاءٍ عَائِلِيٍّ، يَشْعُرُونَ أَنَّ الحَيَاةَ مَا زَالَتْ تَمْنَحُهُمْ أَسْبَابًا جَدِيدَةً لِلْفَرَحِ، وَأَنَّ غُصنَ العُمْرِ مَهْمَا كَبُرَ لَا يَزَالُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُزْهِرَ.
وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ غَرِيبًا أَنْ يُقَالَ: “إِنَّ الأَحْفَادَ هُمْ بَلْسَمُ خَرِيفِ العُمْرِ”. فَهُمْ لَا يُوقِفُونَ عَقَارِبَ الزَّمَنِ، لَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ مُرُورَهَا أَكْثَرَ لُطْفًا. وَلَا يُعِيدُونَ الشَّبَابَ إِلَى الجَسَدِ، لَكِنَّهُمْ يُعِيدُونَ الحَيَوِيَّةَ إِلَى الرُّوحِ. إِنَّهُمُ الهَدِيَّةُ الَّتِي تَأْتِي مُتَأَخِّرَةً، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا أَجْمَلَ مَعَانِي الِامْتِدَادِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالمَحَبَّةِ.
وَفِي خَرِيفِ العُمْرِ، حِينَ تَهْدَأُ الخُطَى وَيَخفَتُ الرَّكْضُ وراءَ تَفَاصِيلِ الحَيَاةِ، يَبْقَى صَوْتُ الأَحْفَادِ وَضَحَكَاتُهُمْ أَشْبَهَ بِمُوسِيقَى دَافِئَةٍ تَمْلأُ البُيُوتَ وَالقُلُوبَ. وَحِينَهَا يُدْرِكُ الإِنْسَانُ أَنَّ بَعْضَ النِّعَمِ لَا تُقَاسُ بِمَا نَمْلِكُهُ، بَلْ بِمَا تَمنَحُهُ لَنَا مِن سَعَادَةٍ وَسَكِينَةٍ، وَأَنَّ الأَحفَادَ هُم مِن أَجمَلِ تِلكَ النِّعَمِ الَّتِي يَهَبُهَا اللهُ.
كامل مراد – عمان 6/6/2026

More Stories
دعوى التسليم والتمكين وما تستلزمه من إجراءات قانونية لقبولها شكلا.. بقلم الدكتور محمد عويان المحامي
بين صناعة المحتوى وقدسية العبادة.. هل أصبح كل شيء مادة للتصوير؟
الدكتور محمد عويان المحامي يكتب.. هل الذكاء الاصطناعي جاء لإلغاء دور رجل القانون ولماذا؟