دار حوار ثقافي مطول مابيني وبيني نيافة الأنبا بطرس فهيم المطران الشرفي لايبارشية المنيا العامرة عن معني قوله متحرش نفسك تلك العبارة التي قالها في أحد الصالونات الثقافية
فابتسم ابتسامة رقيقة تعلوها الصفاء والحكمة ثم بادرني بالحديث فقال/
هذا التعبير العامي والشعبي يشير إلى معنيين أحدهما هو التوجيه بأن يتجنب الإنسان التدخل في أمور الآخرين وفيما لا يعنيه، ويحافظ على الحدود والخصوصية التي هي مساحة مقدسة يجب أن توجد في العلاقات الإنسانية والاجتماعية لتستقيم الأمور ويشعر كل إنسان بالأمان في المساحة والمسافة الآمنة التي يريده لنفسه. أي أن يبتعد البعض عن التطفل والفضول المزعج للآخرين والذي يعكر صفو الحياة والعلاقات. هي دعوة للرقي في التعامل والإحساس المرهف تجاه خصوصية ومشاعر الآخرين التي تليق بالبشر الأسوياء الناضجين الرائعين.
المعنى الثاني هو لا تدع نفسك تدخل في أمور صغيرة وأفكار ومشاعر ومواقف ضيقة تخنق فكرك وإحساسك وتشعرك بالضيق والارتباك والاكتئاب. والابتعاد عن التركيز في تفاصيل صغيرة ودقيقة والاستغراق فيها، على حساب الموضوع في شموله وتكامله، وإن تعطلت أو أغلقت سبل حلها يتوقف كل شيء، ونجد أنفسنا في طريق بلا منافذ للعودة أو البدء من جديد، مثل “الحارة السد”. وبالتالي هي دعوة لدراسة الأمور والمواقف والعلاقات والقرارات بصورة متكاملة في شمولها وأسبابها وتطوراتها وتداخلاتها ونتائجها، بطريقة علمية وموضوعية. لكي نصل إلى النتائج المرجوة من خلال سلوك الطرق واستخدام الأساليب المناسبة بحسب الظروف والإمكانيات المتاحة، ودراسة الخطط البديلة. وهكذا نتعود على تبني الأساليب العلمية والموضوعية في دراسة وعيش حياتنا ونتجنب الارتجال والعشوائية وترك الأمور للظروف، أو للزمن الذي نعتقد أنه كفيل بحل كل شيء. المهم هو ألا نُحْشَر في تفصيلة صغيرة تغلق أمامنا كل الطرق والمنافذ، وألا نتيه ونضيع في تفاصيل كثيرة ونتشتت فلا نصل إلى أي نتيجة أو إنجاز. بل نتبع الطرق العلمية والموضوعية في دراسة وتنفيذ كل أمور حياتنا لتصلح وتنجح وتفرح.
فهذا التعبير الشعبي البليغ يدعونا لأن نتبنى مناهج وأساليب جديدة في حياتنا ما أحوجنا إليها في مجتمعاتنا التي اعتادت على أساليب غير علمية وغير موضوعية، مما يؤدي إلى تراجع موقعنا على خريطة العالم. وخلق مشاكل كثيرة في حياتنا وعلاقاتنا لا تليق بنا، وتجرنا إلى أمور تافهة، وتفاصيل غير مهمة، فيضيع الكثير من الوقت والجهد والمال بلا طائل. فيكفي أن نتوقف قليلا ونلاحظ مشاكل الناس وأسباب الخلافات الموجودة وطرق وأساليب إدارة الناس لشئون حياتها لنفاجئ بالعديد والعديد من الأمور التي كان يمكن تفاديها وعدم التوقف عندها أصلا وكانت ستسير الأمور بشكل أفضل ونتجنب كل هذه المشاكل والمشاحنات والعراك مع أمور تافهة كمن يصارع الهواء. وكم من الخسائر المادية والمعنوية والبشرية التي تتم بسبب التمسك بقشور أو جزئيات لا طائل منها ولا فائدة فيها وبعد أن تقع الواقعة تتم المراجعة التقييم والندم حيث لا ينفع ندم.
الأساليب العلمية التي تحتاجها حياتنا وتعاملاتنا هي الأساس لكل نجاح وتقدم ورقي. فلكل مجال من مجالات الحياة أسلوبه العلمي والمنطقي والموضوعي الذي يناسبه لكي ينجح ويحقق أهدافه والنتائج المنتظرة منه. ولكي تسير أموره وفاعلياته بسلاسة وسرعة وفاعلية دون مشاكل ولا معطلات ولا تداخلات وتشابكات تحسمها من قبل البدء في العمل وتتفادها الدراسات العلمية والمنهجية التي تتم قبل البدء في أي مشروع أو خبرة أو برنامج. فدراسات الجدوى والخطط الاستراتيجية وغيرها من النظم والمناهج والأساليب الإدارية الحديثة وتطبيقها الدقيق في مراحلها المختلفة من تخطيط لتنفيذ لمتابعة ومراقبة وتقييم وتطوير كلها خطوات تضمن سلاسة وسلامة سير العمل ووفرة الثمار والنتائج المرجوة منه.
وقد كانت هذه الأساليب والمناهج العلمية هي التي ضمنت للبلاد المتقدمة ما وصلت إليه من تقدم ورقي. فالمبادئ التي وصلت إليها ليست جديدة في الفكر والحضارة والفلسفات البشرية ولا في الديانات الكبرى السماوية منها والوضعية. فمبادئ مثل النظام والاحترام للذات وللآخرين وللوقت وللعمل وللبيئة والطبيعة والمحبة والصفح والإيثار ومراعات القدرات والمواهب والملكات، والعدالة وإعطاء كل ذي حق حقه، والتمييز بين الإنسان كإنسان وبين ما يعمل، والحث على حب وعمل الخير واتباع الفضيلة، والبعد عن الرذائل والشرور مثل الكذب والسرقة وغيرها من الآفات الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية. موجودة منذ القدم وما على الإنسان إلا تبنيها وتفعيلها في حياته لتستقيم وترتقي.
يا ليتنا، إذا، “منحشرش نفسنا” ولا نحشر غيرنا، في عقلنا الضيق، ولا في قلبنا الضيق، ولا في قوانيننا وشرائعنا الضيقة، ولا في أنظمتنا وعاداتنا وتقاليدنا البالية التي لا تبني. خلقنا الله لنكون أحرارا وليس متحررين ولا منفلتين. فالحرية تثمر فرحا ونجاحا وسلاما، أما التحرر والانفلات فينتج الفوضى والفساد. يا ليتنا “منحشرش نفسنا” لا في شئون الناس ولا فيما لا يعنينا ونتبع أسلوب الحفاظ على الخصوصية ونحترم مساحات الأمان التي نريدها لأنفسنا ويريدها الآخرون لأنفسهم. و”منحشرش نفسنا” في حارة سد ليس فقط من الطوب والطين والإسمنت بل الأخطر هي الحوائط السد في الفكر والمشاعر والأحكام وأساليب الحياة والتفاعل الاجتماعي والمبادئ الأخلاقية والاجتماعية والعادات والتقاليد. لنتحرر وتتحرر من مجتمعاتنا من كل القيود والأصفاد والحوائط والأحكام والعادات والتقاليد البالية التي تخنق وتغلق وتفسد الحياة فتسد منابعها ومجاريها ومنافذها، وتعكر صفو الحياة وتذبل أفراحها وأحلامها وتنطفئ أنوارها ونجاحتها وينشف خضارها وثمارها فيعم اليأس والإحباط. بينما خلقنا الله لتكون حياتنا يسرا لا عسرا، لتكون حياتنا فرحا لا جرحا، لنستمتع بها لا لنعانيها، فننجح ونفرح ونمجد الله ونخدم الآخرين. لنطلب من الله نعمة سعة القلب وحكمة ورجاحة العقل، ومرونة التعامل، والالتزام بالقيم والمبادئ لنبني معا حضارة الإنسان حضارة المحبة والخير والجمال.
هذا هو الأنبا بطرس فهيم ذالك الرجل الذي لم يكتفي بكونه رجل دين بل ذهب ينهل من العلوم الانسانيه والاجتماعيه والثقافيه حتي ابهر كل من قابله.

More Stories
المهندسة منال شفيق سليمان… عقل هندسي استثنائي يقود مشروعات التأمين الصحي في جنوب الصعيد ويصنع بصمة لا تُمحى
علياء سليمان حسن محمد سفيرة الجمال اليدوي وملكة التفاصيل
منار أحمد عبد الكريم — تمكين المرأة في الإعلام… رؤية جديدة تعيد تشكيل المشهد العربي