أكتوبر 10, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

الوداع الأخير .. بقلم عمرو عاطف

خمسة عشر عاماً ….

وأنا أهاب ذاك اليوم ….

ك مهابتى للموت ….

كل الذكريات القابعة بعمق أفكارى …

والتى حاولت على مداد أعوام أن أتلاشاها ….

تغتالنى …..

وكأنها تغتال براءة طفل بالمهد ….

صورة كاملة ….

وكأنه فيلم سينمائي يُعرض أمامك

على شاشه التلفاز …

كنت وحدك …..

وإضاءة المستشفيات الحكوميه

بليلة تشبة تلك الليلة تماماً ..

تحاوطك …

ضوء خافت بعد منتصف الليل ….

وأنت لم تعد تدرى

أأذا كان صيفاً أم شتاءاً ….

حين يكون الصقيع بروحك ….

حينها قد تتجمد أطرافك

فى بعض الليالى الصيفيه ….

كان المريض بغيبوبة

منذ أسبوع كامل ….

كل ما ينفعله هو أبسط حق

مشروع له فى ذلك الحين ….

فقط إنه لازال يتنفس

دون أكسجين صناعى ..

أو معدات تساعدة على ذلك ….

كان هو الشئ الوحيد المتبقي بأرادته …

التنفس ….

ولكن باقى الأشياء

قد نُزعت منة ….

حتى أنه لا يستطيع

رفع يداً أو ساق دون مساعدة …

فتقلبة ذات اليمين وذات اليسار …

مرتعداً من أمراض الفراش

التى لن تقوى عن محاربتها ….

لم يتبقي وريداً إلا وقد حُرق

وتحول لونه من الوردى

إلا لوناً يشبه الرماد المتجمد ….

لم تغفو منذ أيام ولو للحظات ….

وكأنك تعاند النوم أو هو من يعاندك ….

فتأتى بأحدى الكراسي المتحركة

المتهالكه وتدنو من مضجعه ….

ودون أرادة منك

تتساقط رأسك عن وهن

من شدة الأنهاك ….

ربما لحظات …

ربما عمراً كاملاً لست تدرى ….

يأتيك صوتاً فية عمق الأيام أجمعها ….

يشبة صوتك بل أعمق …

وأجمل …

وأشد فتنة …

وكأنك لم تتذوقه

منذ أعواماً مديدة ….

فتستيقظ …

وكأنك تلهو ما بين الصحو والمنام …

صوت أبي الذى لم أسمعه

منذ بداية الغيبوبة …

عمرو عمرو

فتنتفض كل أرجائك ….

وتمسك بيديه وكأنه

شئ ما بالفطرة … لا أرادى ….

لا تدرى من منا يطمئن

الأخر بلمسته الحانيه ….

لم يكن يوماً أباً …

بل كان رفيق درباً …

أحد الاساطير القديمة لمعنى الرجال ….

دنوت لصوته …

وقلت بصوت متردد خلف الصمت

الشحيح السابق …

أبى …..

قال لى ….

من بالجنه ؟!

قلت دون تردد …

كل الناس الطيبة …

قال ….

مثل من ؟!

قلت مطمئنا لة …

أباك وأمك وأجدادك …

وكل البشر الطيبة …

قال …

وهل هذا كلام صحيح ؟؟!

قلت له صحيح يا أبى

وقرة عينى …

أبى …

قال نعم ….

قلت له أدعى لى

ولأخوتى فنحن لا

نكف عن الدعاء لك …

قال …

ولماذا تدعون لى …

قلت عسي أن تعود لنا سالماً …

فأنت الان قد أستفقت

ويوم او يومان ستعود لنا باذن الله …

قال لى داعيلك ….

قلت له دعوت لى …

قال نعم …

حينها فقط …

لم أستطيع كتمان

الدموع التى أنهمرت على خدى ….

رغم الثبات المصطنع أمامه …

لم أستطيع منعها ولكنها

كانت صامتة جداً دون صوت …..

مكتومة ….

كطلقات مسدس كاتم للصوت …

صداها بصدرى

أنا فقط ….

قلت أبى …

قال نعم …

قلت له الان وقد

استفقت وانت منهك …

ردد معي ايات القرأن تلك ….

حتى تغمض عيناك للصباح

وأنت مطمئن …

وبدأنا التمتمه سوياً …

قرأنا كثيراً حتى شعرت

بأنه قد غفى قليلاً …

وأرتاح بتلك الأيات

التى تجول بصدرة الأن …

قبلت يدية ….

ووضعتها بجوارة ….

ولم أكن أدرى ….

بأن تلك أخر مرة قد

أستمع لتلك النبرة الحانية

من الصوت الدافئ ….

وبأن تلك أخر قُبلة …

لكف يدية الدافئة ك الحياة ….

وبأن ذلك هو الوداع الأخير …..

وأعمق الجراح بصدرى ….

إلى جنة الخلد أبى ….

عمرو عاطف