المترو.
اعتاد صاحبنا على التنقل من مكان إلى أخرحيث كانت لديه طاقة كبيرة ونشاط مفرط ويحب أن يكون مفيدا للغير أكثر من إفادته لنفسه, ولما كان ذلك أراد أن يذهب لأحد أصدقائه العاملين في مدرسة للمكفوفين ليصتحبه بعد يوم العمل أو يجلس معه قليلا ثم يعود بمفرده إلى مكان أخر سجله في برنامجه اليومي, ولكن هذه الحركة اليومية لا تخلو دائما من أحداث ليست في الحسبان وليست متوقعة فمرة تكون مضحكة ومرة تكون مؤسفة تثير الحزن والأسى, ولكنها في النهاية تجارب يستفاد منها, فكان طريق صاحبنا طويلا بعض الشيء وكان لزاما عليه أن يركب أكثر من مواصلة أو يكتفي بمواصلتين أحداهما مترو الأنفاق, وقد اختار بالطبع هذا الحل لسهولته وسرعته, ولكون صاحبنا دائم الاعتماد على نفسه ولحبه للحرية وعدم التقيد بمرافق حتى لا يشعر بضجره أو يرتبط بمواعيده أو وقت فراغه أو يحمله فوق طاقته برضا أو غير ذلك, فكان يسعى بمفرده ويتوقع دائما مرافقة المارين في طريقه بشكل طبيعي, وبالفعل وصل صاحبنا إلى محطة المترو ودخل بمرافقة أحدهم الذي اكتفى بأن تركه عند بداية درجات سلم الكبري الداخلي ليعبر صاحبنا إلى الجانب الأخر بمفرده حتى يركب المترو المناسب لطريقه, وصعد صاحبنا السلم بكل همة ونشاط غير مبالي بالهدوء الشديد وعدم وجود مارة من الناس, وسار متمهلا فوق الكبري حيث يتخيل دائما في ظل التغيير المستمر والحركة الدائبة للحكومة أن تفكر في بقطع الكبري أو هدم جزء منه, فمن الممكن وقتها يجد نفسه ساقطا من علي والمترو يختطفه دون أن يدري به أحد أو بعد فوات الأوان, كل هذا كان يدور بخلده ليسلي نفسه أو بالأحرى ليخوف نفسه حتى يتروى ولا ينساق وراء اندماجه في عبور خط برليف بسرعة غير مناسبة لظروفه, واستطاع بعد وقت الوصول إلى السلم الأخر للكبري وسعد بذلك حيث يتفنن مهندسو ومصممو الكباري أن يجعلوا أحيانا السلم على اليمين ومرة أخرى على اليسار أو الخلف ثم الأمام, المهم في اعتقادي حرصهم الشديد على أن تتوه سواء كان في الصعود أو الهبوط, وبدأ صاحبنا ينزل درجة درجة في بطء لعل أحد المارين يأتي أو أحد المسؤولين على الأمن يلاحظ, ولكن هذا لم يحدث وكأن المترو قد قرر إغلاق أبوابه ومنع الناس من دخولها لانتهاء موعيده الرسمية, وعند تأكد صاحبنا بأن درجات السلم قد انتهت بدأ يسير في حذر يتلمس الأرض بقدميه حيث لم يكن يمسك بيده العصا البيضاء التي كانوا يقولون عليها وصاحبنا يتكبر على مسكها أو بالأحرى يخجل منها لأنها تعد علامة على أن ماسكها من المكفوفين, ومرة أخرى يضع نظرة المجتمع المتخلف وعيه أن ماسكها من الضروري أن يكون أحد الشاحذين فيتجنبه المارة خوفا من طلب المساعدة, ولما كان يدور ذلك بخلده قرر ألا يمسكها ولا يقربها, ونعود لصاحبنا الذي سار بتؤدة وقد أرهف كل حواسه ووظفها لهذه المرحلة الخطرة لعدم علمه الجيد بهذه المحطة من حيث اتساعها في المسافة بين الحائط ومكان القضبان التي يرمح عليها المترو الجبار, ولكن بعد خطوات قليلة معدودة حدث ما كان يترقب حدوثه حيث وجد قدميه نصفها على الرصيف والنصف الأخر في الهواء الذي يحيطه المترو بين جنبات سيره, وقد وجد صاحبنا بين خيارين أحدهما مر, الأول أن يترك نفسه للسقوط في مجرى المترو ولكن سيكون ذلك على وجهه حيث كان هذا اتجاهه ولا يعلم ماذا سيحدث بعد ذلك تاركا نفسه للقدر وتدابيره, والاختيار الثاني في أن ينزل إلى مجرى المترو بنفسه وبرغبته دون تدخل من أحد يدفعه إلى فعل ذلك, وكان الاختيار الثاني أقربهم لقراره حتى لا يكون فرجة للمارين الذين لم يظهروا وقت الحاجة إليهم ولكن الآن سيتجمع كل الخلق للحوقلة والمصمصة, وبالفعل قفذ صاحبنا وهو مستجمعا لكل قوته ومعتمدا على الله وعندما لمست قدميه الأرض الممهدة لسير المترو دار دورة كاملة في سرعة يحسده عليها لاعبو الألومبياد واستند بكفيه على حافة الرصيف وقفذ مرة أخرى صاعدا كأنه كرة صنعت من مطاط جيد حيث لم يأخذ ذلك كله عدة ثوان قليلة, ووقف صاحبنا غير مصدق لما حدث واستمر في السير نحو الباب ليخرج من مكان الأشباح الذين لم يشعروا به في السقوط ولا الصعود ولا حتى خروجه. وأثناء ذلك سمع المترو داخلا المحطة يتسحب كوحش كاسر يخشى أن تلحظه فريسته لينقض عليها ويلتهمها, وقد حمد الله على السلامة التي لم تخلو من شعوره بأن قدمااه لا تستطيعان حمله.

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي