أمل أمين محمد الخولي
أول تجربة ليا إن شاء الله في كتابة قصة قصيرة
قامت قبل آذان الفجر بقليل كعادتها لتستعد للصلاة ، ولكن هذه المرة كانت قد عقدت النية واستعدت لإنهاء عذابها وشقائها وعنائها على مدار عشرون عاماً من العطاء .
قررت الرحيل ، لا تحتاج إلى كل هذه الملابس ، فهي منذ سنوات لا ترتدي سوى هذا الزي الرياضي ، وتلك النضارة السوداء ، فكل ماتحتاجه هو ملابس البيت وفقط ملابسها البسيطة هذه ، كما تركت حُليها لبناتها ، وتركت مفتاح سيارتها ، ومفتاح المنزل لزوجها ، فهي تشعر حرفياً بالاستغناء عن كل شيء … كل ملذات الدنيا ماعادت تطلبها ، ومايوماً طلبتها أبداً ، بل كانت تأتي إليها دون طلب ولا حاجة .
اسمها «حياة» امرأة أربعينية ، تعشق بيتها وبناتها وزوجها ، لا ترى ولا تسمع ولا تفكر إلا فيهم ولهم ، أغلقت على نفسها كل المنافذ ، لا أصحاب ، لا علاقات أسريه وزيارات ، كل حياتها هي بناتها ومدارسهم وطلبات زوجها فقط لا غير .
إذا نزلت لتوصلهن إلى مدارسهم ، ينتظرها عمال الأمن أو بوابين المدارس والدادات هم فقط من يعرفونها وينتظروا مجيئها ، وهي تحبهم جداَ ، وتشعر داخلها أنهم حقاً خيرٌ صُحبة ، أما أولياء الأمور فمعظمهم من أمهات صديقات بناتها ، ومعظمهم تملأ قلبه الغيرة ، ما بين مقارنات دائمة بين مستويات البنات العلمية ، وحقد دائم لأنهم يشعرون أن «حياة» من وجهة نظرهم المريضة أنها متكبرة ، لأنها لا تحب خروجات النوادي معهم ، والتجمعات النسائية الفاشلة ، التي ليس لها أي هدف سوى إهدار الوقت والمال من وجهة نظرها.
تكبر البنات ، وسرعان ما أصبحن شابات جميلات مميزات ، ديناً و خلقاً وعلماً بفضل الله وتربية «حياة» ويصبح الزوج بمنصب لابأس به بأحد الشركات ، كله مشغول لتحقيق ذاته والاِرتقاء بمستواه العلمي والمِهني ، إلا «حياة» ، تقوم في صلاة الفجر تصلي ، وتقرأ وِردها وأذكارها ، كما كانت تفعل والدتها ، وتبدأ يومها بالبنات وطلابتهن ، وطلبات زوجها وتختمه بهم وبأذكار المساء وسورة الملك ، ولم تمتعض يوماُ أبداً ، فيكفيها أحضان البنات الحارة وتلك القُبل الطيارة في الهواء ، ومزاحهم معها ، إلا آخر تلك الثلاث سنوات العِجاف ، لا أحضان ، لا كلام ، لا قُبل طائرة حتى ولو زائفة ، كل فتاة تغلق حجرتها على نفسها ، لا تحتاج أمها في أي شيء ، أصبحن ايعتمدن كليةً على أنفسهن ، حتي طعامهن اختلف ، ما عادوا يشتهون تلك الأكلات المميزة من يديها ، يمنعونها دائماً من الصوت العال إذا تحدثت حتى مع والدتها عبر الهاتف ، أحياناً كثيرة جداً يغلقون عليها الحجرة وحدها وتُعامل كطفلة تُعاقب طول الوقت ، بدأت تشتكي زوجها ، لم يعتاد منها ذلك ، يخرج مُبكراً ويأتى مساءاُ يأكل ، ويجلس علي كومبيوتره الخاص ليقوم ببعض العمل من المنزل ، ثم ينام ، رجل عملي جداً جداً ، فبدأ هو الآخر بالصريخ في وجهها ، وتعنيفها ، ودائماً ما يقول لها أرجوكِ «اكبري» لا تشعريني أنكِ مازلتِ طفلة ، ويتركها .
ثلاث سنوات تجلس على هذه الأريكة في حجرتها وحدها ، تحدث نفسها ، وتضحك مع ذاتها وتكتب ، لا تدع اليأس يتخلل تلك الروح المرحة داخلها ، وفي أحد الأيام قررت أن تواجه ابنتها الكبرى ، لعلها تشفق عليها ، فذهبت بكل العشم والحب وقالت لابنتها : حبيبتي أشعر بالوحدة ، أفتقدكن بشدة ولم تلبث أن تُكمل حديثها ، إلا وقاطعتها بنظرة غريبة ، ليست جاحدة ولا عطوفة كانت نظرة عملية سريعة ، وانطلق الكلام كالسهام الموجهة إلى لب القلب مباشرة ،
قالت : أنصحك أن تعتاديها ، فهذه مجرد بداية ، وغداً كل منا سيشق طريقه وتكون الوحدة أكبر ، هذه نصيحة مني لعلها تفيدك وانصرفت بهدوء قاتل . ولأول مرة. تتحجر الدموع في عين« حياة »، رغم أنها تبكي من أقل الأشياء ، إلا أن كلمة ابنتها أفقدتها إتزانها وشلت تفكيرها حرفياُ ، ولكن هذه الكلمة كانت بمثابة إعلان للأم أن تقدم استقالتها ،
وبالفعل تم وكان القرار في تلك الليلة .
حزمت حقيبتها البسيطة واستعدت لمغادرة المنزل دون البوح لأحد .
و في صباح هذا اليوم و بعد صلاة الفجر ، وبعدما نزل الجميع ، بدأت في الاستعداد للرحيل والسفر إلى والدتها ، تاركة كل شيء وراءها كل مقتنياتها لا تعني لها شيء ، تركت لهم كل شيء ، وفجأة يُفتح باب الشقة قبل آذان الضهر بقليل ، واذا بابنتها الوسطى تأتي مُبكراُ من المدرسة ، فظنت الأم بها شيئاً ، وذهبت لتطمئن عليها ، قالت لها :
مابالكِ يا ابنتي هل أنتِ مريضة؟
قالت : لا … ولكني شعرت إحساس غريب لم أتوقع أن يحدث لي مُطلقاً ، فزاد قلق« حياة » ، وقالت بلهفٍ وخوف : حبيبتي بماذا تشعرين بالله عليكي طمنيني!
فنظرت ابنتها وهي في «الصف الثاني الثانوي» نظرت إلى «حياة » وكأنها تراها لأول مرة منذ زمن ، وقالت :
لن تصدقي يا أمي ولكنكِ حقاً وحشتيني جداً .
فسقطت دمعات «حياة» وأخذا يتبادلان القبلات بشغف ونشوة وكأنهما حقاً تقابلا بعد فُرقة طالتها سنوات من الألم والوحدة ، وأحضان ساخنة للحظات ، ثم أسرعت حياة لتحضر لها أحد وجباتها المفضله ، ثم تذكرت فجأة حقيبة ملابسها ، فحضرت لها وجبتها ، ودخلت تُعيد كل ملابسها إلى أماكنها بسرعة ، وكأنما تلك الكلمة «وحشتيني» بمثابة طوق النجاة التي كانت تنتظره« حياة » من أحدهم .
هي كلمة فقط كلمة تُحييك ، وتُرضيك ، وكلمة تُهلكك ، وتجعلك ساخط على كل الأوضاع في لحظة من يأس ، لحظة من عتمة داخل نفسك ، لحظة من احتياج ، هي كلمة .
فبالله … بالله عليكم انتقوا كلماتكم ، وتأكدوا أنكم ستؤجرون على كلِ طِيب الكلِم ، وستُحاسبون على كل كلمة قد تجرح قلباً لا يعلم همه إلا الله .

More Stories
شفاء.. بقلم ولاء شهاب
حوار بين تائهٍ ومهزوم … بقلم ولاء شهاب
قدر .. بقلم ولاء شهاب