أحمد محمود شرقاوي
في يوم وليلة بتصحا عشان تكتشف ان فيه شر رهيب بقا قريب منك، من اولادك، وحتى من بيتك نفسه، بتصحا عشان تلاقي شخص انت كنت سهران معاه من ساعات بس بقا في الآخرة، والموتة نفسها بتبقا في قمة البشاعة، مجرد أشلاء وشوية دم..
صفحة الكاتب على فيس بوك: أحمد محمود شرقاوي
…………
كل حاجة كانت كويسة، حتى الروتين اللي كلنا كنا زهقانين منه أحسن ألف مرة من تبدل الحال، وانا كنت ساخط عن حياتي، بحاول مظهرش ده للناس بس من جوايا كنت مش راضي عن كل حاجة..
مراتي ست سليطة اللسان بتحب الكلام زي عنيها، عاملة زي الراديو اللي مبيفصلش، بحاول بقدر الامكان مقتلهاش عشان خاطر ابني اللي بقا في كلية طب، بصارع الزمن عشان اقدر اخليه يتخرج ويبقا دكتور وحاجة في المجتمع..
بس جتلي الصدمة في ليلة لما جالي مكالمة تليفون بتقولي ان ابني عمل حادثة وهو راجع من الكلية، جريت على المستشفى وقلبي بينط من مكانه عشان الاقي ابني عنده شرخ في الجمجمة، وكسور في كل مكان في جسمه، ابني اللي شوفت نظرات عينيه تايهة وجسمه متكسر، سمعت صوت آهاته بودني وطقطقة عضمه..
واتجبس ابني من راسه لحد رجليه، كان فاقد النطق، تايه في ملكوت الله، وصارحني الدكتور وقالي ان ربنا يتولاه، لأنه ممكن يفضل تايه أسابيع، وممكن شهور أو سنين..
وعدى يوم واسبوع وشهر لحد ما اتفك ابني من الجبس، بس للأسف ابني اللي خرج من الحادثة مش هو اللي دخلها، انا شوفت كائن تاني خالص، فقد النطق ورفض يتكلم إطلاقا، ولما سألت الدكتور قالي انها حالة صدمة ونصحني اعرضه على دكتور نفساني، بس الحال كان بيتحول من سيء لأسوأ، من فقد النطق لحالة من الشرود والتوهان وصلته لمرحلة انه بقا ماشي يبص ويهمس للفراغ حولينا، كأنه شايف وبيتكلم مع ناس احنا مش شايفنهم..
وزاد الوضع سوء لما رجعت من الشغل في يوم لقيت صوت صراخ مراتي في البيت، ولما جريت على البيت ودخلت شوفت ابني بيكسر في الشقة كلها، وشوفت مراتي واقفة في ركن الصالة متوترة جدا، وقفت قدام ابني عشان يبص لأمه بصة مخيفة ويدخل اوضته، كان استحالة اعنفه او اضربه، سألت مراتي بأسى وقلت:
– ايه اللي حصل
– مفيش، خبطت عليه لقيت الباب مقفول، خبطت كتير ومكنش راضي يفتح، كسرت الباب لقيته ثار فيا وفضل يكسر في البيت
وقفت أبص للصالة بحزن وانا بفتكر كل الأيام اللي قضاها ابني هنا بعد العملية، دايما قافل الاوضة على نفسه ومبيخرجش، نبهت على مراتي تسيبه في حاله ومتخبطش عليه تاني..
حاولت أعرضه على دكتور واتنين من الدكاترة النفسيين بس محدش قدر يخليه ينطق بنص كلمة، وبدأت نوعا ما اتقبل الواقع المرير اللي وقعت فيه، لحد ما جت مراتي في ليلة وبدأت في اسطوانة الندب واللطم وقالت:
– احنا هنفضل سايبين الواد لحد ما يتجنن كدا
بصتلها بقرف وحاولت اتجاهل أي جدال معاها، بس ازاي، دي مراتي وانا عارفها:
– شوف الراجل اللي معندوش دم بيبصلي ازاي
كتمت غيظي بالعافية عشان تكمل وتقول:
– انت كمان بقيت اخرس زي الواد
وقتها كأنها داست على اللغم جوايا، اللغم اللي عمال يتعبى مادة متفجرة من يوم الحادثة، قمت ثورت فيها وكسرت الكوباية اللي قدامي، بس هي كانت مستعدة اوي، وفتحت في وصلة الصريخ والرد والاهانة وغيره وغيره، خرجت من البيت وانا هنفجر من جوايا وسكت عشان ظروف البيت ومرض ابني..
ولقيت رجليا خدتني لأول المقابر بما انها في الشارع اللي ورايا، وروحت عند صاحب عمري وأحسن واحد أفضفض معاه بكل اللي جوايا، صبحي التربي، اللي مستعد يسمع منك ألف شكوى طول الليل ويعملك كوباية شاي تنسى بيها كل همومك..
روحتله وفضفضت معاه بكل اللي جوايا، كان بيسمع مني وفيه نظرة قلق جوة عنيه، نظرة غريبة عمري ما لمحتها فيه، قعدت معاه لحد الساعة اتنين بالليل وبعدها رجعت على بيتي، ونمت، نمت نوم اسود بدون أي أحلام..
تاني يوم صحيت وحسيت بهرج ومرج في الشارع، خرجت اسأل الناس، خناقة دي ولا ايه، وكانت صدمتي لما عرفت ان صبحي اتقتل في اوضته اللي على أول المقابر..
اتقتل امتا وازاي ؟؟
جريت وانا قلبي بيدق واعصابي منهارة ناحية تجمع الناس وفوجئت بمشهد بشع، جسم صبحي كان متفرتك حرفيا، كأن حد مسك منجل حديد وضربه اكتر من ألف ضرية، مفيش مكان في جسمه سليم، كأنه بقا عبارة عن أشلاء ملهاش أي ملامح..
بكيت كتير أوي، واتشهر الموضوع من بشاعة الجريمة وجت الصحافة تصور، وجت الشرطة تحقق واستدعوني بما اني من أصحاب القتيل، حكيت كل حاجة حصلت ولما تيقنوا من برائتي أفرجوا عني..
الدنيا عمالة تضيق بيا اكتر واكتر، صاحب عمري مات، وابني ضاع، مبقاش فيه دكتور ولا حتى ابن، ومراتي ست بتمنى تفنى من الحياة من استحالة العِشرة معاها..
بس مكنتش دي المفاجأة الوحيدة، لأن تاني يوم حصلت جريمة قتل جديدة، بنفس البشاعة، وبنفس الطريقة، وبدأت اشاعات تطلع ان فيه عصابة بتاجر في الأعضاء وكلام تاني يقول ان فيه ديابة في المقابر..
ومع الجريمة التالتة وبعد خطبة الجمعة قال الشيخ انه هيعمل نوبات حراسة من أهل البلد حولين المقابر عشان يمسكوا اللي بيعمل كدا سواء حيوان او بشري، وفي أول ليلة وقع الاختيار عليا انا..
بما اني من سكان شارع المقابر، وعلى الساعة تسعة بالليل كنت حاسس من جوايا ان فيه حدث صعب جاي في السكة، كأني هموت وهودع الحياة، خبطت على ابني كتير عشان يفتح، كنت لازم اشوفه، الله أعلم هتبقا اخر مرة ولا لا..
في النهاية فتحلي، نفس النظرات الصامتة والتايهة، حضنته بقوة وطلبت منه ميخرجش من البيت مهما حصل وقولتله:
– اقفل الباب كويس، فيه حد بيقتل الناس برة
لقيته بينازع عشان يتكلم، كنت مصدوم وهطير من الفرحة، استنيت عشان اسمع هو بيقول ايه، لقيته قال بصوت ضعيف جدا وطالع زي أصوات الغرغرة:
. – انا ععااااررررف مييين اللي بيقتل
اتنفضت مكاني وقولتله بلهفة:
– مين يا حبيبي قولي
– متتتووولي
– متولي مين رد عليا
بس مسافة ما قالها رجع لحالة الصمت من تاني، حاولت معاه كتير بس منطقش تاني، قفلت عليه الاوضة ونبهت على مراتي متفتحش الباب ابدا، وان كنت بتمنى القاتل يدخل يقتلها، وقتها هديله مكافأة..
قابلت اتنين جيراني ووقفنا على مدخل المقابر، كان واحد معاه بندقية وانا معايا عصاية والتالت معاه خنجر..
وقعدنا نراقب المكان، نراقب أرض الأموات بظلماتها ووحشتها، وقفنا نبص للقبور اللي كانت بتبص علينا هي كمان بتحدي، وكأنها بتقولنا اننا مهما عملنا فهي المنتصر في النهاية، هتبلعنا زي ما بلعت ناس كتير اوي قبل كدا..
وبعد ساعتين تقريبا اتكلم واحد منهم وقال:
– مفيش حاجة تقريبا، تلاقيه حيوان ومشي، انا هروح
بصتله بغضب وقولت:
– هي دي الأمانة اللي انت بتحافظ عليها
بصلي بسخرية وقال:
– أمانة ايه يا عم، انا واقف مُجبر بحمي ناس متستاهلش
وبعد شد وجذب قالنا انه هيعمل جولة يتفقد المقابر وبعدها هيروح، وعشان التالت كان ابن عمه قرر يروح معاه، ولقيت نفسي قاعد لوحدي بشتمهم في سري، ناس ناقصة تستاهل الحرق..
قعدت لوحدي أراقب المقابر وانا حاسس برهبة غريبة، كأنك في عالم تاني خالص، وفي لحظة سمعت صوت وشوفت خيال حاجة بتدخل من بين البيوت للمقابر في لحظة، جسمي اتنفض ومسكت العصاية اللي معايا بقوة..
دخلت بهدوء شديد وراه وانا جسمي كله بيتكهرب من الخوف، بتخيل نفسي وبقيت جثة زي جثة صبحي اللي شوفتها بعنيا، دخلت لقلب المقابر وبدأت اتلفت يمين وشمال، المكان هادي وصامت تماما..
مش سامع غير صوت أنقاسي ودقات قلبي، جسمي بيترعش والعرق بينزل من جسمي، وفجأة سمعت صوت حاجة بتزوم، بصيت بفزع ولمحت جسم واقف فوق مقبرة من المقابر وبيزوم ناحيتي..
جسمي اتنفض وصرخت، ولقيت نفسي بجري زي المجنون عشان اهرب، بس هو كان بيجري ورايا، لمحته رغم الضلمة، كان ماسك حاجة حديد، وعرفت ان ده القاتل، لحظات وهبقا جثة زي صبحي..
وفعلا رجلي خبطت في حجر كبير ووقعت على الأرض، ولمحت الجسم ده بيهجم عليا، وشوفت الحديدة بتترفع لفوق وغمضت عنيا، استنيت احس بجسمي بيتقطع، بالدم بيسيل مني، بالألم بينهش فيا..
بس مفيش حاجة حصلت، فتحت عيني برعب وشوفت
وشوفت
وشوفت
شوفت ابني، ايوة ابني، كان ماسك حديدة على شكل L ورافعها وعمال يزوم ناحيتي، يقرب شوية ويتراجع تاني بسرعة، يحاول تاني ويزوم ويرجع تاني من جديد..
وقفت وانا مصدوم واتكلمت بذهول:
– مالك يا حبيبي حصلك ايه
لقيته وقف زي الصنم يبصلي من غير ما ينطق، نزلت دموعي في لحظة وقولتله:
_ ليه بتقتل الناس يا حبيبي
منطقش بنص كلمة، قربت منه بهدوء ومسكت من ايده الحديدة و حضنته و
واتنفض ابني بين ايديا وفي حضني بعد ما سمعت صوت رصاصة، رصاصة طلعت من سلاح اللي كان واقف معايا اخترقت جسم ابني..
وبكل ذهول الدنيا شوفت الدم بينزل منه وبيقع في الأرض يتنفض، كنت موهوم، قلبي بيتحرق، مش قادر اصرخ، اهمس حتى، ولفظ ابني انفاسه الأخيرة بين ايديا ومات، وصرخت صرخة بكل لغات الكون..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………
مات ابني، مات وسابني عبارة عن بقايا انسان، دفناه وسط صمت من الناس، بين كاره ومشفق علينا، بين شمتان في ابني القاتل وبين حزين عليه، دفناه في جنازة كبيرة، وفضلت تايه أسابيع، هتجنن، بموت في اليوم ألف مرة..
لحد ما جتلي مكالمة من واحد قالي انه صاحب ابني في الكلية، وانه عايز يعزيني، استقبلته وانا قلبي مفطور عشان يعزيني ويحكيلي اللي خلى شعري يشيب..
قالي ان هو وابني كانوا محتاجين عضم عشان يذاكروا عليه، ودورا يمين وشمال وملقوش، لحد ما قرر ابني انه يزور صبحي التربي يمكن يتصرف له، وصاحبه ده رفض وقال انها حرمة اموات، بس ابني مسمعش كلامه، وراح لصبحي وفتحوا قبر وجابوا منه عضم مقابل فلوس راحت لصبحي..
ورجع ابني للكلية وحكى لصاحبه اللي حصل، وبعدها بيوم بس وهو راجع بالعضم عمل الحادثة اياها، واتبدل حاله تماما، وده بيفسر النظرة الغريبة اللي شوفتها في عنين صبحي ليلة ما اتقتل لما حكيتله، و
ورنت في ودني كلمة ابني لما قال
“متولي”
معقولة يكون ده، جريت على المقابر ومنها لقبر معين، وكانت الكارثة، قبر متولي فعلا عليه اسمنت جديد، وده معناه انه اتفتح..
كارثة
متولي ده ساحر مات من تلت سنين واتلعن من البلد كلها واتقفل قبره ومحدش فتحه من يومها، معقول يكون صبحي بالسذاجة دي ويفتح قبر ساحر، عشان الفلوس يبيع ابن صاحب عمره ويفتح قبر زي ده، اكيد هو فكر وخاف يفتح قبر ويتكشف، فقرر يفتح قبر محدش بيسأل في صاحبه..
وبما انه انتهك حرمة الاموات كانت نهايته سودة، واكيد ابني اتضر من العضم ده ضرر كبير، ضرر خلاه كان بيهرب كل ليلة من شباك اوضته ويروح للمقابر برجليه يقتل الناس..
الله يرحمك يابني فطرت قلبي عليك، والله يجازي أي حد بينتهك حرمة الاموات لأي سبب، هما في عالمهم وخلينا احنا في عالمنا..

More Stories
استجابة رسمية.. هيئة الدواء المصرية تتحرك بعد ما أثارته الإعلامية الدكتورة هبة يوسف
إستراتيجية إدارة المورد البشري واستدامته: هندسة الملاكات الوظيفية وربط الاحتياجات بالخطة الاستراتيجية العامة
حين يكتب النفاق قصائده