أبريل 18, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

أشهر بيت مهجور في الفيوم

شكل البيت من برة كان غريب ومختلف، تحس أن البيت معمول على الطراز الانجليزي، ورغم ان البيت كان قديم أوي بس كان دايما قادر يخطف عيون أي حد يبص ناحيته، وللأسف خطف عنيا، خطف عنيا عشان أعيش فيه اسوأ تجربة ممكن أعيشها في حياتي..
صفحة الكاتب على فيس بوك: أحمد محمود شرقاوي
…………………
الفيوم.. الإسم نفسه فيه سحر غريب، تحس انك هترجع بالزمن لورا، أو هتروح لعالم تاني، عالم من السِحر والعجايب، ده اللي كنت بحس بيه كل ما بسمع اسم المحافظة دي، ولما صادف الأمر وروحت مأمورية تبع شغلي للفيوم اتأكد احساسي أوي..
أة المحافظة نفسها زي القاهرة ويمكن أحسن كمان، عمارات ومحلات وتطور عظيم في المعمار، بس القُرى البعيدة، القرى اللي في قلب الجبل، وبالأخص القرية اللي انا روحتها، قرية جبلية بتدخل لها من مدق صغير على الطريق اللي بياخدك لفوق لحد ما توصل لبداية القرية..
شعوري أول ما نزلت للقرية كان كأني رجعت بالزمن لورا، ١٠٠ سنة على الأقل، العيون الطيبة والبيوت الحجرية، واللبس الحِشم بتاع الستينات، وفضول الناس البرئ اللي مش قادرين يخبوه تجاهي..
ابتسمت في نفسي لما حسيت بهدوء وراحة غريبة، كأني دخلت لعالم من الهدوء والبساطة بعد ضجيج القاهرة وزحمتها التي لا تُطاق..
اتصلت بواحد من أهل البلد عشان هو اللي كان هيجبلي السكن، مفيش خمس دقايق وكان مستقبلني بحفاوة شديدة خلتني أحب الناس والمكان اكتر، ولقيت الحلفان اللي مفيش منه رجعة..
هنروح نتغدى في بيته الأول قبل ما اروح على السكن، حاولت كتير اعترض بذوق لأني بتحرج بس حسيت انه شوية وهيضربني لو مروحتش معاه، وصلنا بيته وطلع اولاده يسلموا عليا وكان شكله طاير من الفرحة..
شوية ومراته دخلت علينا بالبط والفراخ والمحاشي، كانوا عاملين وليمة عشاني، فكرت شوية ولقيت اني ان شاء الله هرد الكرم ده قريب لما أخليه يشتغل معانا، لأنه يستحق المعروف وانا اصلا محتاج كام شخص للموقع..
وبعد ما شربنا الشاي طلعنا على السكن اللي كان في بيت في آخر البلد، الغريب انه قالي مصطلح غريب، البيت جمب قصر القيصر..
معلقتش ولا حاجة وكملنا مشي تحت شمس الفيوم الملتهبة وعلى طريق ترابي جيري صعب لحد ما لمحته، كان واضح وضوح الشمس، قصر ضخم على جانب الطريق شكله مهيب، لونه أصفر وظاهر أوي تحت شعاع الشمس، كان تقريبا قصر من الخشب بكمية الشبابيك الغريبة اللي فيه وبوابته الخشبية الضخمة..
ومن فوقه لقيت الغربان بتنعق بطريقة مُخيفة فكرتني بقصر دراكيولا، بصيت للراجل اللي كان اسمه يوسف عشان يبتسم ويقول
“ده قصر القيصر يا عمنا، قصر قديم اوي بس شكله بيخطف النظر على طول”
محبتش اسأل كتير من التعب والارهاق اللي كان فيا ودخلت السكن، كان بيت جمب القصر بخمسين متر مثلا، ومفيش بين البيت والقصر غير أرض قاحلة صحراوية، دخلت السكن وسجدت على الأرض لما لقيت تكييف شغال وسكن محترم جدًا..
شكرت يوسف بعد ما عرضت عليه المكوث بس هو اعتذر وسابني ومشي، اتصلت بمديري وبلغته بوجودي وقالي انهم يومين بس وهنبدأ نأسس الموقع..
قفلت معاه ونمت، نمت يجي ساعتين تقريبًا، بس شوفت نفسي قدام القصر وبتكلم معاه، كان كأنه عاوز يحكيلي حاجة جواه، صحيت من نومي عرقان وبنهج وقلبي بيدق..
كانت الشمس خلاص بتغيب، طلعت في البلكونة شوية أشرب كوباية قهوة عشان الاقي القصر في وشي، ومع غروب الشمس بتحس برهبة وقبضة غريبة بتمسك قلبك، كأنك بتتفرج على أسطورة حية..
حاولت أتجاهل القصر عشان أركز في شغلي اللي جاي وفتحت النت شوية لحد ما جت ١١ بالليل، دخلت أشرب من التلاجة لقيتها فاضية، فتحت المية لقيتها قاطعة، ندمت اني مشترتش مية وانا جاي، بس افتكرت ان فيه دكان صغير على اول الشارع هنا شوفته وانا جاي..
نزلت من البيت معايا المفاتيح ومشيت ناحية الدكان، اشتريت مية وشوية مُعلبات ورجعت، بس لأني جديد خدت الشارع الأول مش التاني، ولقيت نفسي معدي من قدام القصر بالظبط، ابتسمت في نفسي وغصب عني وقفت اتأمل القصر..
خاصة انه كان ظاهر أوي رغم ظلمة الليل، بتحس انك واقف قدام تنين اسطوري نايم، رهبة ما بعدها رهبة، قربت من الباب لقيت أثار خربشة غريبة كأن حد كان عايز يكتب على الباب حاجة..
ركزت في الخربشة بس مفهمتش
ه ن ت ق م ن
هو مكتوب “هنتقمن” ولا “هنتقم”
ما علينا بدفع الباب بابتسامة لقيته اتفتح بصوت رهيب، بصيت حوليا بخوف ليكون حد سمع، بس مفيش حد خالص، انا والليل والصمت والقصر..
قررت أمشي بس رغبة الفضول جوايا منعتني، الطفل اللي جوايا خرج وبقا عايز يجري جوة القصر يشوف كل اللي جوة، كأني لسة بستكشف العالم، والعالم في اللحظة دي كان القصر..
ودخلت من البوابة, أيوة دخلت, وقتها راودني شعور قوي اني بقيت برة العالم تمامًا, كأنك دخلت جوة فجوة زمنية, وبقيت أخر كائن في العالم كله, صوت الهوا اختفى ودخلت في صمت طويل اووي, حتى الضلمة جوة كانت مختلفة عن أي ضلمة ممكن اشوفها, الغريب ان ساحة القصر كان سقفها السما, ورغم كدا انا حاسس ان مفيش نسمة هوا واحدة, الضلمة هنا كانت بتتحرك زي الدوامات, شعور ثقيل سيطر وقتها على قلبي وكنت خلاص هخرج..
بس من جوة مبنى القصر بدأت أسمع, ده صوت حد بيضحك بصوت ضعيف أوي, ايوة ده فيه صوت طفل جوة بيضحك, يا ترى ده طفل دخل بعد ما ساقه الفضول, ولا الموضوع أخطر من كدا بمراحل, احساس الخوف وقتها زاد جوايا أضعاف مضاعفة, بس في نفس الوقت فضولي كان أقوى وشدني لحد باب القصر, وزي ما البوابة اتفتحت معايا بسهولة ده كمان اتفتح معايا, بصيت بقلق لجوة بس مشوفتش غير ظلام دامس, مُخيف..
ومن جوة بدأت صوت الضحكات تظهر من تاني, مشيت خطوة ورا خطوة وانا قلبي بيدق بعنف من القلق لحد ما وصلت للسلم, وعلى ضوء الموبايل شوفت بيت قديم اوي, تراب في كل مكان وعنكبوت معشش في كل حتة, مفيش شبر الا وبيت العنكبوت له فيه نصيب..
ومع ذلك كان صوت الضحك جاي من فوق, طلعت السلم وانا خايف خطوة ورا خطوة, لحد ما وصلت للدور التاني, وقتها كان صوت الضحك بقا أوضح, كان جاي من الاوضة اللي هناك دي, جالي هاجس في الوقت ده اني لازم أمشي بس مقدرتش, واتقدمت بأقدام غير متزنة ناحية باب الاوضة, وبقلب مضطرب حطيت ايدي على مقبض الباب.. و
وفتحت الباب, ايوة فتحت الباب..
الصوت وقتها كان واضح اكتر واكتر, فتحت فلاش الموبايل وسلطته على الاوضة من جوة و
و
واتنفضت من الرعب لما شوفتهم جوة, ايوة شوفتهم, ده كان حمام مش اوضة, وفيه واحدة ست شكلها غريب اوي قاعدة بهدومها على مسند البانيو وجوة البانيو كان فيه طفل عاري مبسوط وعمال يضحك, وهي كانت شاردة وباصة للظلام وبتدندن بلحن غريب, شبيه بقداس الجنائز, وعمالة تغسل في راس الطفل بالمية بكل هدوء..
ركزت في ملامحها كانت عاملة زي المكفوفة, مش باصة ناحيتي خالص, كأنها في ملكوت تاني, والطفل مبسوط وعمال يضحك بكل براءة, بس الغريب في الطفل ان وشه كان شاحب اوي, شاحب ولونه أزرق بطريقة ترعب, وقبل ما اتحرك من مكاني وفجأة, مسكت راس الطفل بقسوة وحطتها في المية بالقوة, جسمي اتوتر اكتر وانا شايف الطفل عمال يعافر عشان يتحرر وجسمه بيتنفض بعنف, بس هي كانت مصممة انها تقتله, لأنها شددت قبضتها عليه, وانا واقف لا حول لي ولا قوة, مش عارف ده جنان ولا حقيقة ولا مجرد وهم, جسمي عمال يعرق وقلبي يتنفض..
اتكلمت بسرعة وبتوتر وقلت:
– الواد هيموت يا مجنونة انتي سيبي الواد
بس هي كملت كأني مش موجود من الأساس, وبكل رعب وتوتر الدنيا جريت بسرعة ورميت جسمي عليها عشان أحرر الطفل, وقتها بس حسيت وكأن الف صاعقة ضربت جسمي, حسيت ان مخي بيترج بكل عنف كأن في خلية نحل دخلت جوة دماغي, جسمي اتنفض مرة واتنين وعشرة لحد ما في النهاية استسلمت, استسلمت خالص..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
…………..
وفي لحظة واحد لقيت نفسي في ساحة القصر, بس الجو كله كان نهار, والساحة نفسها كانت مليانة أشجار وورود كتير أوي شكلها جميل, وهي كانت هناك البنت اللي شوفتها في الحمام, كانت لابسة فستان أبيض وواقفة قدام القصر وبتضحك ومعاها أطفال شكلهم بسيط من أهل البلد, بعدها بدأت الشمس تغيب بسرعة غريبة, وهي خدت طفل معاها جوة وكانت متوترة لحد يشوفها, جريت وراها عشان اشوفها بتاخد الطفل للحمام وتملى البانيو, وبكل قسوة مسكت الطفل وبدأت تغرقه في البانيو..
شوفت بعنيا انتفاضة الطفل ورعشة جسمه, شوفت محاولاته للنجاة, شوفته وهو بيطلع في الروح وشوفت وشه المليان بلامح الفزع الرهيب, وبعدها شالت الجثة بسرعة وراحت دفنتها في الجنينة, وقفت اراقبها وانا حاسس اني هتجنن, مش فاهم أي حاجة خالص, في اللحظة دي بس بصت ناحيتي, بصت ناحيتي بعيون سودة زي الليل, وقتها مسكتني كهربا غريبة من جديد, واتنفضت بكل ألم ورعب..
ومع شهقة قوية فقت عشان الاقي نفسي مرمي جوة البانيو من تاني والجو كله ظلام, قمت زي المجنون وطلعت أجري من المكان كله ومن ورايا لسة سامع صوت الضحكات المخيفة, خرجت من القصر ورجعت للسكن وانا فاقد السيطرة خالص على جسمي وعمال اترعش, قلبي عمال يدق وحاسس بنغزة قوية أوي في صدري, وفضلت طول الليل مش عارف أدوق النوم, مستني الليلة تعدي بفارغ الصبر عشان أهرب من المكان الملعون ده كله..
ومع أول ضوء للنهار اتصلت بيوسف وبلغته اني هسيب البلد وهمشي, جالي فورا وهو قلقان وفضل يستفسر عن السبب بس انا رفضت اقوله أي حاجة, لأني كنت فعلا مش قادر, بس بدون وعي مني وبكل شراسة سألته:
– ايه حكاية قصر القيصر ده انا عايز أعرف
بصلي بقلق وتوتر كبير وقال:
– ولا حكاية ولا رواية يا باشا
– لا ليه حكاية, وحكاية ملعونة كمان, وانا عايز اعرفها
– طيب توعدني لو حكتلك متمشيش
– اوعدك اني هفكر بس احكيلي
بص شوية ناحية القصر من البلكونة وبعدها صوته بقا عميق اوي واتكلم بكلمة واحدة:
– سمية
سألته بلهفة:
– مين سمية دي وقصتها ايه
نزلت الدموع من عنيه وقال:
– لله الأمر من قبل ومن بعد
وبدأ يحكيلي حكاية قصر القيصر, القصر الملعون
بقلم: أحمد محمود شرقاوي