بنتي الصغيرة بقت تعتبرأكبركابوس في حياتي من بعد موت أبوها في حادثة بشعة من أيام بس, البنت بقت بتصحا تبكي بطريقة هستيرية مُخيفة, وتفضل تبكي لحد ما ترضع لمدة ساعتين كاملين وبكل نهم وكأنها كانت بتموت من الجوع..
أو كأنها حاسة ببشاعة الحادثة اللي فرمت أبوها تحت عجلات عربية نقل سواقها كان في غيبوبة تقريبا وسابني غرقانة في محيط من الذكريات الأليمة, سابني وانا فاقدة للطاقة والأمل في اني أعيش ولو يوم واحد بس من بعده, ولا حتى أخطط لحياة بنتي اللي جزء كبير جوايا اتمنى لو كانت مااتت معاه أو اختفت من حياتي تماما, ومن جوايا أمنية أكبر اني اقدر اموت نفسي بأي طريقة واهرب من الدنيا كلها..
لأني للأسف مكنتش أتخيل ان البنت تتربى من غير ابوها, طول عمري ربطت بين خلفتي وبين ابوهم, وعمري ماتخيلت اني أكون المسؤولة لوحدي عن تربية ابن أو ابنة, عشان كدا رفضت كذا عريس كان بيسافر, ويوم ما وافقت على ده سافر سفر أبدي, سفر مينفعش يرجع منه اطلاقا..
وهي مرحمتنيش أبدا, ومن تاني يوم للوفاة بقت بتزيد في البكاء والصراخ طول الليل تقريبا, ومكانتش بتسكت غير لما ترضع, ترضع كتيرأوي, وكأنها رافضة انها تسيب فيا طاقة عشان أقدر اتحرك حتى, وبدأ الحال يتحول من سيء لأسوأ, وبدأت فعلا أتمنى الموت عشان أقدراهرب من التفكير في المستقبل المُظلم اللي منتظرني, بس كلها أيام وزاد الإصرار من اخويا اني أسيب الشقة واجي أعيش معاهم أو يأجرلي شقة قريبة منهم بحُكم اني بقيت لوحدي وبقوا خايفين عليا, وكمان فرصة عشان أنسى أي ذِكرى بسبب الشقة اللي انا فيها..
حاولت بس مقدرتش, بس هو فرض عليا الأمر من خوفه عليا, وفي يوم وليلة جاب صحابه وشالوا عفش الشقة ونقلت لشقة جديدة قريبة منهم, بيني وبينهم ربع ساعة بس, وده بعد اصرار مني اني استقل مع بنتي في مكان لوحدنا, وبدون أي مقدمات لقيت نفسي في مكان جديد, مكان مُوحش, مكان باصص ناحيتي بكل تحدي وبيقولي اني بقيت لوحدي, وان حياتي انتهت بعد ميلاد بنتي بشهور بس, وفضلت غرقانة في ذكريات وبكاء طويل انتهى بنوم اسود, كله اضطرابات وهلاوس, صحيت منه لقيت الشمس طالعة وصوت العصافير برة مالي المكان..
وافتكرت بنتي, بنتي اللي يوميا بتبكي بالليل عشان ترضع, انهاردة بس البنت مبكتش, جريت على اوضتها لقتها نايمة في سلام تام, صحتها بهدوءوحاولت أرضعها بس رفضت, رفضت تماما وكأنها شبعانة على آخرها, استغربت منها بس من جوايا بدأت اتفائل نوعا ما بالشقة الجديدة..
وكأن تغيير المكان ومن تاني يوم ساب انطباع جوة بنتي كويس, وده بالتالي انطبع جوايا, ولأول مرة بعد موت جوزي اتصل بصاحبتي وننزل نقعد شوية مع بعض, لأول مرة اشم شوية هوا واحس بشوية حرية, وعلى بالليل رجعت انا وبنتي اللي كانت عمالة تضحك طول اليوم..
حاولت تاني ارضعها بس رفضت رفض قاطع, هيأت نفسي انها هتصحا بالليل كالعادة تبكي لما تجوع, وسبتها على سريرها ونمت, وتاني يوم صحيت الصبح, دخلت على بنتي اوضتها لقتها صاحية وبتضحك, وبرضع رافضة الرضاعة تماما, وقتها بس بدأ القلق ينهش في جسمي, البنت وشها مورد ومبسوطة, بس مع ذلك مبترضعش بقالها يومين..
ومع استمرار الوضع لليوم التالت روحنا نكشف عند دكتورة اطفال, والدكتورة قالت نصا ان البنت صحتها كويسة جدا وباين عليها بترضع بانتظام, ولما بلغتها انها مرضعتش من تلت أيام استغربت وأكدت ان أكيد حد تاني بيرضعها, لأن آثار اللبن واضحة على البنت انها راضعة من ساعات بس..
كلام الدكتورة خلاني شبه هتجنن, وعلى بالليل ولما بنتي نامت فضلت صاحية, النوم رافض انه يقرب مني تماما, ووسط تفكيري واضطرابي سمعت صوت ضحكة بنتي في اوضتها, وبنتي استحالة تضحك غير لما حد يلاعبها..
قربت من اوضتها وانا بتنفض, خايفة يكون حد بيدخل شقتي من ورايا, دخلت الاوضة وانا قلبي بيدق لقتها قاعدة على سريرها الصغير وبتلاعب الهوا وترفع ايديها وتضحك..
قربت منها بقلق وحضنتها, حاولت ارضعها من تاني بس رفضت تماما, ووسط حيرتي حسيت بخبطة عنيفة في ضهري خلتني شهقت من الخضة وكانت بنتي هتقع من ايدي, خبطة سببت كهربا كاملة في جسمي كله, بصيت ورايا برعب بس ملقتش أي حاجة, خدت البنت ورجعت اوضتي وانا هموت من القلق والاضطراب اللي انا فيه خاصة اني لسة حاسة بقوة الضربة اللي شبه لمست فقرات العامود الفقري..
خدت بنتي في حضني وقررت انها تنام جمبي الليلة رغم خوفي من حركتها كل شوية والسرير في نص الاوضة وممكن تقع, ونمت, بس منمتش كتير, لأني صحيت بعد ساعتين تقريبا ملقتش بنتي جمبي..
اتنفضت مفزوعة ودورت عليها تكون وقعت بس بنتي مكانتش في الاوضة كلها, قلبي انفطرمكانه وفضلت اصرخ في الشقة باسمها “تالين” “تااااالين”
بس بنتي مكانتش في الشقة كلها اللهم الا, الا
صوت ضحكات بنتي كانت جاية من الحمام, ومن تحت باب الحمام شوفت خيال, خيال شخص بالغ مع بنتي جوة, واتشليت مكاني, اتشليت من الفزع, جريت على المطبخ مسكت سكينة وقربت من باب الحمام وعيني مبرقة وقلبي بيتنفض وايدي بتترعش..
مشيت خطوة ورا خطوة وانا قلبي شبه بيقف, خاصةً ان الضل كان واضح أوي, وفتحت الباب, فتحته وانا بصرخ, واستقبلتني ضحكة بنتي, بنتي اللي كانت في البانيو عريانة ومية الدش نازلة عليها وهي مبسوطة جدا..
بصيت في الحمام ملقتش أي حد, شلت بنتي زي المجنونة وخرجت برة الحمام, بس اللي لاحظته وانا بشلها ان المية كانت دافية, وبنتي استحالة تقلع هدومها وتروح الحمام بل وتفتح السخان وتفتح المية السخنة..
لبستها هدومها وقعدت في الصالة اتنفض من الرعب, اتصلت باخويا اللي كان بايت في شغله وفضلت اتكلم معاه عشان بس أطمن, دموع الخوف وعدم الأمان كانت بتنزل من عيني بدون ارادة مني, قفلت مع اخويا وشغلت قرآن في الشقة وبدأت اهدى نوعا ما, اهدى لدرجة اني غفلت ثواني, ثواني بس, وصحيت لقيت نور الشقة كله مضلم والقرآن مطفي, ووقع قلبي بين ايديا لما ملقتش بنتي جمبي..
ومن اوضة المكتب شوفت ضوء أصفر لامع وسمعت, سمعت صوت انثوي بيغني اغنية طفولية
أ,ب,ت,ث,ج,ح,خ
وقتها حسيت اني اتخشبت مكاني وفقدت كل معالم الحياة, برودة, برودة مسكت في أطرافي كلها ووصلت لحد العضم, وقلبي بقا بيدق زي الطبل جوايا, قربت من الاوضة وانا بتنفس زي الغريق , قربت وقربت, وقربت..
وعلى الكرسي هناك شوفتها, واحدة ست لابسة الاسود وقاعدة على الكرسي ومدياني ضهرها, وشايلة بنتي في حضنها وبترضعها, وكانت بتغني للبنت وبتتهز بهدوء بيها..
الفزع كان عمال ينهش في أعصابي ودمي ناشف زي الحِبر, قربت منها وبصوت واهن, ضعيف, متوتر قلت
“انتي مين”
بس هي مردتش, وكملت غنا من تاني, ولا كأنها سمعتني, بس أول ما بنتي شافتني وانفعلت عليا الست وقفت تماما عن الغنا, وبكل هدوء الدنيا لفت براسها 180 درجة وبصت ناحيتي, وشوفت عيون حمرة زي الدم ووجه مجروح غرقان بالدم, واتكلمت بصوت خشن, أقسى من الموت وقالت:
– البنت جعانة
وشهقت, شهقت لحد ما روحي كانت هتخرج مني, وشوفتها بتقوم وبتقرب بالبنت من الشباك المفتوح, كانت مبتسمة, فرحانة, وسمعتها بتقول برتابة غريبة:
– بنت زي دي محتاجة رعاية, وانتي مش هتراعيها صح, فخليها تيجي عندي
وقتها اتأكدت من كل الأساطير اللي بتقول ان الأم بتتحول لوحش اسطوري وقت ماتحس ان ولادها في خطر, وقتها اتأكدت ان روحي كلها جوة بنتي دي, وصرخت, صرخت صرخة رهيبة وهجمت عليها قبل ما توصل للشباك, واختفت من قدام عنيا والبنت وقعت من ايديها, وفي اللحظة الأخيرة مسكت بنتي قبل ما تقع على الأرض, وفضلت أكمل صراخ زي المجنونة لحد ما خرجت للشارع, خرجت زي الممسوسة بصرخ بدون انقطاع, وكلها ساعة واخويا جه يجري بعد ما الجيران اتصلوا بيه, كان خايف, قلقان, خدني على البيت وفضلت يوم كامل فاقدة النُطق تماما..
وفين وفين لما اتكلمت وحكيت, حكيت كل حاجة, اخويا اتصل بشيخ جه يرقيني انا وبنتي وبعد ما سمع الحكاية مني طمني وقالي ان الشر مرتبط بالمكان وطالما خرجت منه يبقا انتهى الموضوع..
بس كانت فيه حلقة ناقصة وكملت لما اخويا راح سأل مرة واتنين لحد ما جاب قرار الشقة دي, وعرف ان صاحبة الشقة كانت اسمها رحاب, الست دي عانت سنين عشان تخلف, عانت من الوحدة والقهر وكلام الناس, وبعد سنين طويلة ربنا رزقها بتوأم وكانت طايرة بيهم من الفرح, بس شاء ربك جوزها والتوأم يموتوا في حادثة عربية, الست من صدمتها لما شافت انها بقت لوحدها رمت نفسها من البلكونة وماتت, وفضلت الشقة سنين منبوذة لحد ما رحت انا اسكنها..
حكايتها كانت بمثابة صدمة رهيبة ليا, صدمة عرفتني انك مهما كنت مبتلى ففيه ناس مبتلية اكتر منك, صدمة علمتني انك طالما عايش فربنا كاتب لك رزق وحياة ونصيب من السعادة, بس احنا اللي الشيطان بيضحك علينا, بيورينا الدنيا سودة, أب مات, زوج, أم, كل ده صعب, بس الأجمل ان لينا رب لا يموت, رب بنحبه ومعانا أكتر من أي حد في الدنيا, رب شاء اننا لينا عمر ومكملين, فليه بننهي حياتنا ونربطها بموت حد تاني, لو هنربط حياتنا يبقا نربطها باللي خلقها, واللي خلقها مبيموتش, اللي خلقها هو ربنا, الخالق, والرب, والرحمن, مهما فقدت في حياتك فانت مفقدتش طالما مع ربنا, انت لسة حي, ولسة عايش, اياك تستسلم, عشان الشيطان بيوعدك بالفقر, وربنا بيوعدك بالفضل والرحمة, يبقا تصدق مين..
وقتها بس سمعت من التلفزيون الآية دي
“لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”
وابتسمت, ابتسمت كتير اوي..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي

More Stories
“عبور 360”.. عينُك الشاملة على نبض مدينة العبور وخدماتها
انطلاق برنامج تأهيلي وتدريبي لموظفي هيأة التأمين الطبي
تكريم دولي للكاتب الصحفي نزار الخالد بأعلى الأوسمة تقديراً لدوره في السلام وتعزيز العلاقات الأفريقية الآسيوية