أكتوبر 15, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

فتاة المقبرة.. بقلم أحمد محمود شرقاوي

تخيل لما تكبر في بيتك فتكتشف ان حياتك مختلفة عن كل الناس تقريبا, والاختلاف هنا جاي من خلال البيت الجميل اللي انت ساكن فيه, وده ببساطة لأن جدي الله يرحمه ملقاش أرض في البلد كلها يبني عليها بيت غير جمب المقابر بالظبط, بل وكأنه كان بيتنافس مع الناس وخد الأرض اللي لازقة في أول قبر من مقابر البلد, وانا لما كبرت نوعا ما اكتشفت ان الاوضة بتاعتي ملاصقة تماما لحيطة المقبرة الاولى في صف المقابر الطويل, فلك أن تتخيل لما بفتح شباك الاوضة بالليل عشان الجو حر فبيدخل اوضتي هوا مُحمل برائحة الأموات حرفيا, تخيل كم الصمت والرهبة اللي كنت بعيشه كل ليلة وانا عارف اني نايم وعلى بُعد أمتار مني فيه أموات نايمين ويمكن صوت أنفاسي بيزعجهم..
أمر مُخيف وكان بيترك جوايا حاجات كتير, بس ابويا ربنا يباركله من كتر خوفي سماني في البيت سُعاد, بل وكان كل مرة يحكيلي انهم كانوا فاكريني بنت وكانوا هيسموني سُعاد بس للأسف طلعت ولد, بل وكان بيتمنى على حسب كلامه اني أكون سعاد عشان ابقا معذور في خوفي من شوية مقابر, وكان بيحكيلي انه كان بيلعب استغماية وهو صغير فيها, وطبعا أمي كانت بتيجي في صفه وتفضل تأكله في البط والفراخ وعلى لسانها كلمة واحدة
“اديله يا حاج خليه يسترجل”
وتنتهي القعدة بالضحك والهزار عشان كدا بطلت أكشف عن مخاوفي وخليتها جوايا تماما, بس مع مرور السنين وانشغالي بالدنيا بدأ الخوف يقل في قلبي من ناحية المقابر ويتجه ناحية مكان تاني, الدنيا وصعوباتها وقسوتها, بدأت أشوفها مُخيفة اكتر من الموت والمقابر نفسهم, وخلصت جامعتي وخلصت جيشي بل ورحت اتقدمت لأكتر بنت حبيتها في حياتي كمان, الحُب النقي الطاهر, الحُب اللي كتمته في قلبي سنين طويلة عشان ربنا يشهد اني منتهكتش حرماته, خاصة انها بنت خالتي, ولازم أحافظ عليها من شر نفسي زي اختي بالظبط..
بس خدت صدمة لذيذة لما اكتشفت ان خالتي مادية زي مليون أم تانية, خالتي اللي من يوم ولادتي وهي بتمدح فيا وفي التزامي بالدين والشرع, خالتي اللي كانت بتضرب بيا المثل وتشتكيلي من ابنها يوميا, خالتي رفضتني مش عشان انا مش مناسب, خالتي رفضتني عشان ظروفي بسيطة وكان متقدم لبنتها واحد عنده عربية..
وقتها حسيت بمعنى كلمة قهر الرجال, حسيت أد ايه الناس متلونة وعايشين بميت وش, مش بزكي نفسي بس يشهد الله اني باخد كل حاجة بالطريقة البسيطة, بل وبتعامل مع الناس بقلب أبيض لوجه الله, يومها وقفت في الشباك بعد الساعة 12 ودموعي عاوزة تنزل, حاسس اني مكسور, عزة نفسي متهانة وكبريائي متحطم..
ياريتها قالتلي انت مش ملتزم كفاية, انما اترفض عشان معنديش عربية, بس كدا, مع انها عارفة اني أكتر انسان كان هيحافظ على بنتها, دعيتلها بالسعادة وسرحت, سرحت وافتكرت الف موقف وموقف اتأذيت فيه بسبب قلبي الأبيض. بسبب اني مش متلون..
ووسط الهدوء التام ده والظلام المُخيف اللهم إلا من ضوء عامود انارة متهالك لمحت ظِل, ظل لشخص ماشي وهو مضطرب وعمال يتلفت حوليه بخوف كبير, الموقف شدني وتابعته بعنيا وحاولت أركز في هيئته, واحدة ست, ايوة واحدة ست وتقريبا هتقع من الاضطراب اللي هي فيه, وقفت قدام قبر من القبور شوية, حوالي خمس دقايق وخرجت وهي شبه بتجري من المكان..
تابعتها بتوتر وانا مش فاهم ده ايه وكانت بتعمل ايه في الوقت ده, فكرت انزل واقابلها بس حسيت اني ممكن اتسبب لنفسي في مشكلة خاصةً انها واحدة ست, لحد ما اختفت من قدام عنيا وفضلت انا مكاني, عمال افكر في الجنان اللي شوفته ده, في النهاية قفلت الباب وحاولت انام..
كسرت حاجز التفكير ونمت, نمت بعد ساعة من المحاولات, بس مسافة ما غفلت سمعت صوت خبط جامد على الشباك المقفول, قمت مخضوض وانا مش فاهم اللي حصل ده, واتكرر الخبط بقوة أكبر, خبط على شباك في الدور التاني, يعني ببساطة اللي بيخبط ده متعلق في الهوا, أو واقف على المقبرة وحاطط سلم وطلع عليه يخبط على شباكي..
قمت مفزوع وفتحت الشباك وانا هتجنن, بس مفيش أي حاجة, الصمت, وظُلمة المقابر من تاني قدامي, فضلت أفكر هل اللي سمعته ده كان حقيقي ولا.
ولمحتها, في نفس المكان اللي كانت فيه الست, خاصة نفس المقبرة, بنت شعرها طويل عمالة تدور حولين القبر وكأنها بتطوف حوليه, ومش بس كدا, دي كانت بتضحك وصوت ضحكاتها بيتردد في المقابر كلها..
وقتها جسمي كله قشعر وشعر راسي كله وقف, كنت حاسس اني بتفرج على حاجة من عالم تاني, شيطانة, استحالة تكون بشرية, صوت الضحكات, طريقة المشي, شعرها اللي نازل لحد الأرض تقريبا, وفضلت مكاني واقف زي المشلول مش عارف أتحرك حرفيًا, وهي لازالت بتدور حولين المقبرة وبتضحك, بس الوضع مطولش, لأنها بصت ناحيتي, وعنيها لمعت زي عيون القطط, ولقتها بتشاور عليا, وقتها حسيت انها غضبانة, حسيت انها عاوزة تدمرني..
كان جسمي مشلول, مش قادر أتحرك, رميت جسمي لورا ووقعت, جسمي اتيبس, وكأني اتشليت, قمت بالعافية, بصيت من تاني لقتها بتجري ناحيتي, بتجري وهي بتصرخ بصوت رهيب, وقفلت الشباك, قفلته وانا في قمة رعبي وفزعي..
وبطلوع الروح قدرت أفتح قرآن على الموبايل, وقتها الصوت اختفى, وكل حاجة رجعت هادية من تاني, فكرت أصحي والدي بس مقدرتش, هروح اقوله انا بشوف عفاريت يعني ولا ايه..
وفضلت تاني يوم بالي مشغول, حزين, مهموم ومش مركز, والدتي كانت مُشفقة عليا وفاكرة ان ده بسبب رفض خالتي ليا, بس انا فضلت السكوت رغم إصرارها اني أتكلم, وعلى بالليل طلعت عشان أنام وقفلت الشباك كويس ونمت, نمت وانا عامل زي الصنم عقلي مشلول عن التفكير بعد ما أقنعته ان كل ده كان وهم..
بس الموضوع مكنش وهم, مكنش وهم خالص, خاصة لما حسيت وانا نايم ببرد شديد, برد قوي, وصوت رياح شديد, صحيت وانا جسمي متلج عشان اتفاجئ بالشباك مفتوح على آخره وفيه رياح شديدة داخلة منه, بس كل ده كان ممكن يعدي, انما اللي مش هيعدي هي البنت اللي كانت واقفة بتضحك قدام سريري, واقفة وملامحها واضحة وضوح الشمس, شعر طويل, وعيون سودة, غير كدا فشكلها طبيعي جدا, بس الوضع اللي انا فيه بيقول انه مش طبيعي أبدا..
فضلت تتأملني بعيون ثابتة, جامدة, وابتسامة مُفزعة, وفجأة صرخت, صرخت صرخة مهولة وجريت نطت من الشباك, صرختها حركتني, وكسرت جمود الرعب جوايا, جريت على الشباك لقتها, لقتها على أول المقابر عند النخلتين, النخلتين دول كان متعلق فيهم حبل وخشبة على هيئة مرجيحة, كانت قاعدة عليها بتتمرجح وبتشاورلي أنزل, قفلت الشباك ووقعت في الأرض من فرط الرعب والفزع..
فضلت على حالي كتير متكوم في الأرض وقلبي عمال يتنفض وجسمي يرجف, ووقعت لمدة اسبوع كامل في فزع مالوش قرار, كل ليلة وبعد نص الليل أسمع صوت ضحكاتها, أشوفها بتتمرجح على المرجيحة وبتشاورلي, واسمع خبط عنيف على الشباك..
وكل ده ظهر عليا, الكل كان فاكرني حزين على بنت خالتي, محدش كان يعرف كمية الفزع اللي كنت بواجهه, لحد ما جت الليلة الأخيرة, سمعت صوت صرخات من قلب المقابر, فتحت الشباك برعب وشوفتها عمالة تخبط راسها في الحيط, ورغم فزعي وقتها حسيت انها غضبت, حسيت انها عاوزاني أنزل بأي طريقة, وكأنه تهديد أخير, تهديد بالقتل, رسايل اتزرعت في عقلي بدون أي مقدمات..
خدت المفاتيح ونزلت وانا شعري شايب حرفيا, دخلت على المقابر وسمعت صوت ضحكاتها في كل مكان, الصراخ وقف وبدأت تضحك من تاني, وكان سهل أوي اروح للمقبرة اللي كانت بتطوف حوليها, سهل جدا, وكأني في الوقت ده مش سيد قراري إطلاقا..
في اللحظة دي كنت وصلت للقبر, ورجع مشهد من تاني يطوف قدام عنيا, مشهد الست اللي وقفت في المكان ده من أيام وشوفتها, وقفت مكانها بالظبط, وطاف مشهد جديد عليا, الست دي كانت بتدفن حاجة, وبالأخص جمب القبر, ومكان التربة هنا مختلف, حفرت بإيدي في الأرض الترابية, مرة واتنين وتلاتة, ولقيتها..
قماشة معقودة بعُقد كتير أوي, أول ما مسكتها سمعت ضحكة من ورايا, بصيت بفزع لقتها واقفة بتبص عليا وبتضحك, خدت اللفافة وجريت, جريت وانا في حالة هي الاسوأ في حياتي كلها..
ورجعت اوضتي وفضلت وقت طويل لحد ما هديت, لحد بعد الفجر تقريبا, وفتحت اللفافة, ولقيت صورة بنت عليها طلاسم كتير وجمبها عظمة صغيرة عليها آثار دم, سحر ربنا يجيرنا منه..
بس الغريب ان صورة البنت كانت هي نفسها اللي بتطلعلي, انا هتجنن ومش فاهم أي حاجة اطلاقا..
تاني يوم خرجت أمشي في البلد أشتري شوية حاجات, كنت سرحان, مغموم, وعمال أفكر هعمل ايه باللفافة دي, ووسط حيرتي شوفتها, نفس البنت اللي بتخرجلي, كانت شايلة شنطة صغيرة وجاية ناحيتي, وقتها بس دمي فار, حسيت بجنون ما بعده جنون, جنون اتولد من أيام الفزع اللي عشتها..
جريت عليها ومسكتها من هدومها بغضب شديد, وفضلت أصرخ فيها بثورة:
– انتي عايزة مني ايه, عايزة مني ايه
وهي اترعبت, بل وخافت واستغاثت بالناس, وفي لحظات الشارع كله أتجمع علينا وانا ثاير, الناس مسكوني بتعجب وهي فضلت تبكي بهيستريا, في اللحظة دي وصل أعمامها واخواتها وحاجة زي دي في بلدنا متنتهيش غير بالدم, بس اعمامها لما شافوني تراجعوا, سمعة ابويا وسُمعتنا تشفعلنا, الكل عارف مين انا ومين ابويا اكتر راجل مشهود له بالاحترام في البلد..
اعمامها خدوني علي بيتهم وهما متعصبين بس محدش تعرضلي بسوء, وقتها كان ابويا جه وأهلي وعملوا قعدة كبيرة عشان يفهموا انا عملت كدا ليه, بس انا كنت منهار, عايز أبكي من كمية الضغط اللي جوايا, وطلبت في النهاية عشان أتكلم ان الكل يخرج ما عدا والدي ووالدها, والشيخ معتز امام المسجد..
وحكيت قدامهم كل حاجة وخرجت اللفافة قدام عنيهم, وأول ما شافوها ابوها بكى, بكى زي الطفل الصغير, وفضلت انا حيران مش فاهم أي حاجة, وفين وفين لما بدأت كل حاجة تتضح قدامي بتفسيرات من الشيخ..
احداهن عملت سحر للبنت دي, وانا بس اللي شوفتها, بس بطريقة ما قرين البنت كان رافض الأمر, وفضل لمدة اسبوع يوصلي رسالة عشان أخرج السحر ده رأفة بصاحبته, والقرين اللي كان بيظهرلي كان شبه البنت فعلا..
والبنت من اسبوع كامل وهي مصابة بصرع كامل وعمالة تاخد جلسات والبعض قال انها عندها سرطان كمان, وكانت راجعة بعد ما اتشخصت بيه من المستشفى, لحد ما شوفتها انا وهجمت عليها..
وطبعا فضينا السحر في مية بملح وأبطلناه بفضل الله, والبنت حالتها اتحسنت واحدة واحدة, وبعد ما كنت شخص سيء أبوها باس على راسي قدام كل الناس اللي كانوا متعجبين مني, وبررنا هجومي عليها بأن كان فيه كلب هيعضها وانا لحقتها, كلام ساذج بس الناس صدقت..
بس اللي مكنش متوقع اطلاقا ان ابوها عرض عليا اتجوزها, ولما سألت عنها عرفت انها ملاك عايش على الأرض, عروسة مفيهاش غلطة, وبعد شهر واحد كنت كاتب كتابي عليها عشان أسمع منها الأغرب من ده كله, أغرب حاجة أسمعها في حياتي..
البنت دي صاحبة اختي بس انا عمري ما خدت بالي منها, وعارفة اني اتقدمت لبنت خالتي وفي نفس الوقت اتقدملها ابن عمها عشان يتجوزها واتفرض عليها فرض مع انه شخص في قمة السوء..
بتقولي انها دعت ربنا يجمعنا ببعض لأنها عارفاني كويس, ويشاء ربك, انا اترفض, وهي تمرض بسبب السحر وابن عمها لما شافها مصروعة رفضها, ويشاء ربك انا اللي الاقي السحر ويبقا سبب شفائها على ايدي, ويشاء ربك ان ابوها هو اللي يخطبها ليا من غير ما تتحرك من مكانها..
قالتلي في النهاية كلمة عظيمة أوي, قالتلي مفيش حاجة اسمها ربنا لا يستجيب, ربنا بيستجيب بس بحكمته الإلهية, وبيستجيب ويحقق في الوقت الصح, بل وبيستجيب بالشكل الأحسن الف مرة من ترتيباتنا, وقالتلي ان حياتها كلها تتلخص في الآية دي
“وقل ادعوني أستجب لكم”
الاستجابة مش مرهونة بفترة معينة, بس هتحصل هتحصل, حتى لو هتؤجر عليها يوم القيامة, بس ما خاب عبدا دعا ربه أبدا..
وحقيقي انا اتجوزت واحدة أحسن مليون مرة من قريبتي, انا اتجوزت ملاك..
ومن يومها بدعي ليل نهار بكل اللي بتمناه بدون كلل أو ملل..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
……………
( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ )