لا شك أن عمل المرأة في السينما شيء غير مرحّب به من قبل الأسرة والمجتمع بشكل عام، حيث يجد التحاق المرأة بالعمل الفني صعوبة شديدة باعتباره عملا جريئا لا يتناسب مع العادات والتقاليد أو التعاليم الدينية والتيارات الفكرية المتشددة. ولكن الموهوبات والراغبات في إثراء الحراك الفني بإضافة موهبة جديدة يقمن بنوع من التحدي لإثبات ذواتهن في مجتمع رافض، وفي ظل نظرة ذكورية تحاول سلبهن هذا الحق.
بالطبع لم تنته مناقشة إشكالية، وجود ما يسمى بـ”سينما المرأة” من عدمه، إذ يظل هذا المصطلح ضحية بين مطرقة الرفض وسندان القبول، فهناك من يؤيّد المصطلح محاولا ترسيخه وفرضه على أرض الواقع، ومن يرى نسفه من الأساس على اعتبار السينما فنا -كسائر أنواع الفنون- تتجلى فيه حرية الإبداع للرجل أو للمرأة على حدّ سواء. هذان الرأيان يثيران تساؤلا جديدا: فإذا كان هناك ما يسمى بـ”سينما المرأة” فلماذا لا تكون هناك “سينما الرجل”، ولو حدث ذلك – افتراضا- فسوف يصبح محظورا على المخرج الرجل مناقشة مشكلات المرأة، أو أن ينسب إليها أدوارا شيطانية مسيئة!
عرف بعض النقاد سينما المرأة بأنها
تلك السينما التي تصنع أفلامها المخرجات- النساء، لأن المخرج هو صاحب الرؤية الكاملة للفيلم في النهاية، وليست فقط الأفلام التي تطرح وتناقش قضايا المرأة في مختلف البلدان العربية والأوروبية. لأن المخرجين الرجال يناقشون قضايا المرأة من وجهة نظرهم التي تختلف كلية عن وجهة نظر النساء. وأبدت المخرجة كاملة أبوذكري تأييدها لمسمى “سينما المرأة” باعتبار أن المرأة -كما تصفها- “أقلية مضطهدة” في جميع أنحاء العالم، ومن الطبيعي أن يكون هناك مصطلح مثل “سينما المرأة” تماما مثلما ظهر مسمىّ “السينما الأفريقية” أو “سينما المثليين” باعتبارهم من الأقليات المضطهدة أو المهمّشة. وترى كاملة أبوذكري أن إطلاق صفة “سينما المرأة” يعد إنصافا لها ولمشاكلها وقضاياها، ففي أنحاء العالم ينظرون إلى المرأة على أنها ذلك الكائن الضعيف المضطهد، المسلوب الإرادة، التي تضيع حقوقها وتخضع لقوانين المجتمع غير الإنسانية المفروضة عليها، في حين أنها يجب أن تعامل على قدم المساواة مع الرجل.
لكن المخرجة الشابة روجينا بسالي ترى أنه لا يوجد تعريف محدد لسينما المرأة ولكن هناك تصنيف للعمل الفني بأن يكون متكاملا أو غير متكامل، بغض النظر عن جنس صانعه حيث ترفض تماما فكرة التصنيف تلك باعتبارها فكرة عنصرية.
وترفض المخرجة نادين صليب ذلك التصنيف العنصري، وتفضل أن يتم تصنيف الأفلام طبقا لجودتها بغض النظر عن كون العمل السينمائي من صنع رجل أو امرأة، كما ترى أن معظم النساء اللائي يقبلن هذه التسمية يحملن رسائل معيّنة يردن توصيلها للعالم الخارجي، كصرخة استنجاد من الاضطهاد الذي يعانين العيش في ظله، فيستخدمن السينما كوسيط لنقل أحوالهن وقضاياهن للعالم.
وأرى إن التفاعل بين الرجل والمرأة والمجتمع، إفراز للحياة الاجتماعية، لذلك فإن المهم في العمل السينمائي ليس الرجل أو المرأة، وإنما كيفية تصوير القضايا الاجتماعية وعرضها على الجمهور.
يذكر عبد المنعم سعد في كتابه “موجز تاريخ السينما المصرية” أنه يمكن اعتبار عام 1927 هو التاريخ الفعلي لنشأة السينما المصرية، بالمعنى المتعارف عليه، ويؤكد دور المرأة في إنشاء شركات إنتاج سينمائية، حيث كانت في مقدمة هؤلاء عزيزة أمير التي أنشأت “ستوديو هليوبوليس″ عام 1927، بداية من إنتاجها لفيلم “ليلي”، الذي يعدّ أول فيلم مصري روائي طويل. وبالإضافة إلى أفلام أخرى، جاءت بهيجة حافظ (ممثلة ومخرجة وكاتبة ومونتيرة ومؤلفة موسيقية)، لتشيّد شركة “فنار فيلم”
المرأة المصرية العاملة فى مجال السينما سبقت المرأة الأوروبية بسنوات فى مجال الإخراج والإنتاج، والدليل نجده فى حياة ثلاث سيدات، هن عزيزة أميرة وفاطمة رشدى وفردوس حسن، وثلاثتهن دخلت مجال الإخراج والتمثيل والإنتاج السينمائى منذ أواخر العشرينات، بينما المرأة الأوروبية خاضت هذا المجال بعد عام 1940..
وجديرة بالذكر فنانة مصرية تدين لها السينما المصرية بالكثير فهي صاحبة الفضل في ظهور تجارب سينمائية مبكرة رغم كل ما واجهته من حرب في عصر كان عمل المرأة في الفن يلقى أشد هجوم، إنها الممثلة والمنتجة والملحنة بهيجة حافظ.
كانت بهيجة حافظ أول مصرية تحصل على عضوية جمعية المؤلفين في باري.وأنشأت أول نقابة عمالية للموسيقيين عام 1937 وظلت قائمة حتى منتصف الخمسينيات.و عملت مصممة ملابس لأزياء فيلمها “ليلى البدوية” عام 1944. مصر حتى عام 1895 لم تكن تعرف أي شيء عن فن السينما، وكان المسرح هو المعبر الأول عن الفن في أقطارها، وواجه العديد من التشديدات والخلافات مع السلطة وكان يقابل بالمنع والإيقاف أحيانا بل ويخضع لمأمور المنطقة التي ينتمي لها المسرح مباشرة، وله الحق أن يغلق المسرح في أي وقت، حتى صدر لائحة “التياترو” عام 1911.
ومن المعروف تاريخيا وسينمائيا أن الفيلم الأول في السينما”أولاد الذوات” هجوم من السلطة المحتلة لمصر حينها رغم أن 60% منه كان صامتاً، وذلك لتعرض الفيلم لصورة المرأة الأوروبية وسلوك وشكل حياتها. في تلك الأثناء ظهرت بهيجة على الساحة وتقتحم عالم السينما بأكثر من فيلم متتالي في فترة الثلاثينيات، وهم:
فيلم زينب،فيلم اتهام،فيلم الضحايا، فيلم ليلى بنت الصحراءوفيلم زهرة السوق.
ومن المعروف تاريخيا وسينمائيا أن الفيلم الأول في السينما”أولاد الذوات” هجوم من السلطة المحتلة لمصر حينها رغم أن 60% منه كان صامتاً، وذلك لتعرض الفيلم لصورة المرأة الأوروبية وسلوك وشكل حياتها. في تلك الأثناء ظهرت بهيجة على الساحة وتقتحم عالم السينما بأكثر من فيلم متتالي في فترة الثلاثينيات، وهم:
فيلم زينب،فيلم اتهام،فيلم الضحايا، فيلم ليلى بنت الصحراءوفيلم زهرة السوق.
أسست بهيجة شركة انتاج تحمل اسم “فنار فيلم”، وأنتجت عدة أفلام ولكن فيلم “ليلى بنت الصحراء” أدى إلى إفلاسها، فبعد أن صرفت مبلغ كبير على إنتاجه تم وقف الفيلم بعد تعرضه لهجوم وأرسلت الحكومة الإيرانية خطاب رسمي اعتراضا على عرض الفيلم واعتبرته “تشويه صورة (كسرى ملك الفرس) وصدر قرار من الملك بوقف الفيلم.
ظلت بهيجة تسعى لعرض الفيلم 10 سنوات في المحاكم المصرية، وفي عام 1944 عرض الفيلم مرة أخرى بعد أن غيرت اسمه إلى “ليلى البدوية” وعدلت بعض مشاهده ووصلت خسائرها نتيجة لهذا إلى 45 ألف جنيه.
أما الفنانة فاطمة رشدي (سارة برنار الشرق)، فكانت بدايتها مع فيلم “الزواج” (إنتاجا وإخراجا)، وجاء فيلمها الثاني “بنت النيل” (بطولة وإنتاجا). ومن أبرز رائدات صناعة السينما في مصر، تأتي المنتجة والممثلة آسيا داغر، حيث كونت شركة “لوتس فيلم”، التي قدمت فيلم “غادة الصحراء”، وأتبعته بأفلام “وخز الضمير”، “عندما تحب المرأة”، “عيون ساحرة”، “شجرة الدر”، وغيرها من الأفلام. ولعل أبرز الأفلام التي قامت بإنتاجه آسيا داغر “ردّ قلبي”، “الناصر صلاح الدين”، “السمان والخريف”، “يوميات نائب في الأرياف”.
وظهرت ماري كويني، لتؤسس “ستوديو جلال”، مع زوجها المخرج أحمد جلال، وكان من أبرز الأفلام التي قامت بإنتاجها “أمير الأحلام”، “ظلموني الناس″، “ابن النيل”، “نساء بلا رجال”، “المليونير الفقير”. كما قامت بإنتاج مجموعة من الأفلام لابنها المخرج نادر جلال، ومنها “غدا يعود الحب”، أما آخر فيلم أنتجته كويني هو “أرزاق يا دنيا”.
فى الماضى نجد المرأة تدور في منزل “السيد عبدالجواد” في الأفلام المأخوذة من ثلاثية نجيب محفوظ، أو الأم الطيّبة والزوجة الخاضعة والحبيبة الخجولة، ولكن ظهر نوع آخر من نساء السينما المصرية أكثر إصرارا ونجاحا وفخرا بأنفسهن، خاصة عندما ازدهرت فترة مناقشة قضايا المرأة الاجتماعية والتي تصدّرت قائمتها الفنانة فاتن حمامة من خلال مناقشة قضايا عمل المرأة في فيلم “الأستاذة فاطمة”-1952 ومناقشة قضايا الشرف في فيلم “دعاء الكروان”-1959 وحدثت أيضا تعديلات على بنود عتيقة وردت في قوانين الأحوال الشخصية في مصر بعد ظهور فيلم “أريد حلا”- 1975 وهو أحد تلك الأفلام التي ناقشت عدة قضايا كان من شأنها أن تصنع تغييرا حقيقيا في القوانين القضائية والأعراف الاجتماعية. وبمناسبة تلك الأفلام التي بسببها تغيّرت قوانين عاتية وظالمة لا بد أن نذكر فيلم “عفوا أيها القانون”- 1985 الذي يثير قضية تتعلق بسماح القانون بعدم تدخل الزوجة في حال شاهدت زوجها متلبسا بخيانتها. في حين يبيح القانون للزوج مقاضاة زوجته في حال ضبطها متلبّسة بخيانته لكي تسجن، إلا إذا صفح عن خيانتها وسمح لها بالاستمرار في الحياة بعد طلاقها منه دون المحاكمة.
وهناك أيضا الكثير من الأفلام الهامة والمميّزة التي رفّعت من شأن المرأة والدفاع عن أحقيتها في العمل القيادي مثل فيلم “مراتي مدير عام”- 1966. ثم ظهرت أفلام رديئة تسيء إليها وتنتقص من كيانها وأهميتها في الحياة، تلك التي اقتصرت على إبراز جسد المرأة المثير في أدوار الإغراء، ولا يمكن أن نتجاهل ما يعرف بـ”أفلام العشوائيات” بكل ما تحمله نساؤها ذوات النفوس المشوّهة جراء الفقر والاحتياج اللذين يدفعانهن للتنازلات مثل أفلام “حين ميسرة”- 2007
ومن الملاحظ أن الكثيرات من نجمات السينما المصرية، لم تخضن تجربة الإنتاج السينمائي، على الرغم من قدراتهن المادية ومكانتهن الفنية، ولعل أشهرهن: فاتن حمامة، سعاد حسني، نادية لطفي، هند رستم، صفية العمري، هدى سلطان، زبيدة ثروت، شمس البارودي، آثار الحكيم، مديحة كامل، سهير رمزي، غادة عبدالرازق، سمية الخشاب، وغيرهن
ومن خلال تحليل إحصائي (للباحث)، حول مشاركة المرأة كمخرجة في السينما الروائية الطويلة، وجدنا أنه خلال الفترة منذ عام 1960 وحتى نهاية عام 1970، تم إنتاج حوالي 505 أفلام، قام مخرجون رجال بتحقيقها جميعا، أما نصيب المخرجات فكان صفرا. لكن كانت للمرأة في مجال الفيلم الوثائقي والروائي القصير، مشاركة معقولة إلى حد ما، منذ بدايات ستينات القرن الماضي
وفيما يلي نستعرض -في عجالة- مشاركات المرأة في بعض البلاد العربية، ففي المغرب، نذكر مخرجات أفلام: “كيد النسا” إخراج فريدة بليزيد، “الدار البيضا يا الدار البيضا” لفريدة بليزيد أيضا، “جنة الفقراء” إخراج إيمان المصباحي، إلى جانب مخرجات أخريات، نذكر منهن: نهاد البوهاتي، ليلى مراكشي، نرجس النجار في سوريا .
في مجال التأليف، ظهرت العديد من الكاتبات (أديبات وسينمائيات)، نذكر منهن الكاتبات والأديبات: لطيفة الزيات (الباب المفتوح)، حُسن شاه (أريد حلا، امرأة مطلقة، الإرهاب، الغرقانة)، إقبال بركة (البنات والمجهول، بحر الأوهام)، سكينة فؤاد (ليلة القبض على فاطمة)، وغيرهن.
بالنظر للسينما الأمريكية نجد أن عهد السينما الصامتة لم يكن طويلًا، إلا أنه شهد زخمًا في الإنتاج السينمائي، وحضورًا كثيفًا لممثلين وممثلات قدموا عشرات الأفلام. خلال السنوات الأولى من عمر السينما الصامتة في الولايات المتحدة الأمريكية، سادت ظاهرة تجهيل أسماء الممثلات والممثلين، وذلك لسبيين، أولهما كان خوف الممثلين من معرفة مديري الفرق المسرحية بدخولهم إلى عالم السينما الذي جاء ليهدد المسرح، مما قد يؤدي إلى فصلهم من هذه الفرق. أما الثاني وهو الأكثر رواجًا، كان تعمد منتجي أفلام هذه الفترة عدم التعريف بأبطالها، خشية أن يتحولوا إلى نجوم، فيضطر المنتجون إلى دفع أجور عالية لهم في أفلام يدركون أن عمرها قصير ولن تدر أرباحًا كبيرة، ولم يتغير هذا الوضع حتى العام 1909، عندما أعلِنَ لأول مرة عن اسم الممثلة الأمريكية من أصول كندية فلورنس لورانس، ليلحق بها عشرات الممثلاث والممثلين الذين أصبحوا نجومًا في صناعة السينما الأضخم في العالم. وتشترك ماري بيكفورد مع فلورنس لورانس في كونهما من الرعيل الأول من الممثلات في عالم السينما، كما أنهما من مجموعة كبيرة من الفنانين الكنديين الذين ساهموا بقوة في وضع اللبنة الأولى لصناعة السينما الأمريكية، لكن مسيرتهما تختلف كثيرًا، فقد نجحت بيكفورد في أن تحافظ على قوتها واستقلاليتها في هذه الصناعة لفترة أطول، كما ظل اسمها عنوانًا للمرحلة المبكرة في تاريخ السينما وصارت رمزًا من رموز هوليوود غير المنسية.
مع كل فيلم كانت تقدمه هؤلاء النسوة وأخريات من رائدات السينما العربية والأمريكية، كن يكسرن طبقة وراء أخرى في جدار الممنوع، ولأن معانتهن من إرهاب واستغلال المنتجين كانت عميقة، تظل كل مرة ظهر فيها وجه إحداهن على الشاشة انتصارًا في معركة غير معلنة، وتبقى مسيراتهن بإشراقاتها وإظلاماتها دليلًا على ما تكابده النساء في مجال صناعة الأفلام في كل وقت وكل مكان.

More Stories
الأعلامية أحلام المخرنجي صوت القضايا الاجتماعية في برنامج “حكايتنا”
الإعلامية هبة عبد الجواد….. رؤية تحريرية وصوت يعيد الاعتبار الشاشة التليفزيون المصري
الأعلامية إيمي أحمد نجمة السكندرية التي تألقت في سماء الإعلام