أبريل 21, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

مشاهد من المستشفى (1) بقلم وليد صالح

كعادتى مع مهنة الأمن , فإنها تأخذنى كبساط الريح إلى حيث لم أكن أتصور إلا مرورا عابرا , و قد أخذنى بساط الريح هذه المرة إلى حيث مستشفى فاقوس العام , و حتى فترة قريبة لم أكن أستريح ليس فقط للعمل و إنما لمجرد التواجد بأى مستشفى , فإننى – بفضل من الله سبحانه – أتمتع بصحة جيدة , و لا أحب الاقتراب من مكان يُعالج فيه الناس من الأمراض مع يصاحب ذلك من تأثر بإيحاءات أنا بعيد كل البعد عنها , أشعر معها أننى أنا المريض ! و عندما كنت أعمل بأمن مركز شباب فاقوس كنت أشكر الله سبحانه على تلك النعمة وقتها و أقول : لأن أتواجد وسط أناس وزعت الأقدار عليهم الصحة خير لى من التواجد وسط أناس وُزعت عليهم الأمراض .
لكن منذ أول يوم لى بالمستشفى قد أدركت أن فيه حياة و حركة أكثر من مركز الشباب و هو ما يعضد فكرة التواجد به , خاصة أن مستشفى فاقوس هو أكبر مؤسسة حكومية بالمدينة و المركز سواء من حيث حجم المبانى و الإنشاءات , أو من حيث المساحة بعد مركز الشباب الذى به ملعب بمساحة فدان و نصف , أو من حيث عدد الموظفين , أو من حيث عدد المتعاملين معها من المواطنين , كما أننى لا أنسى أن أكثر فئة على الإطلاق من الأصدقاء القدامى و زملاء الدراسة السابقين الذين لم ينشئوا فارقا بينى و بينهم بعد أن فرقنا تنسيق القبول بالكليات بعد الثانوية العامة هى فئة الأطباء , و تقريبا لا يوجد اسثناء واحد بين أعداد كبيرة تؤكد القاعدة , فلا فرق بين أن أنادى : يا دكتور محمود أو يا حودة ! أو أن أنادى غيره : يا دكتور تامر أو يا تيمور ! أو أن أنادى ثالثا : يا دكتور محمد أو يا محمد يا قنتير ! كما كان يناديه أحد أساتذتنا وقت دراستنا الثانوية ! أما أحمد صلاح فلم أناديه : يا دكتور أحمد أبدا ! و أنا أعلم أننى لو استخدمت الألقاب معه سيرفض ذلك بقوة .
فئة الأطباء من أصدقائى و زملائى ظلوا دائما – و مايزالون – يعاملوننى كما لو كنا مانزال زملاء فى الدراسة , و لم يعاملنى واحد منهم أبدا على أننى أقل منه أو أن الموقف قد تغير و الظروف تغيرت و أنهم أصبحوا شيئا بينما أنا شيئ آخر , و كان ذلك دائما من أكبر الحوافز لعدم شعورى بالدونية أو الانكسار مهما كانت ظروفى سيئة .
و التواجد بالمستشفى يوفر احتكاكا بتلك الفئة التى تحظى بأعلى و أفخم لقب فى هذا المجتمع لقب دكتور , فعلا كنت أتمنى أن أعايش عن قرب كيف يعمل ” ملائكة الرحمة ” و أصحاب مهنة النبلاء , مع الإقرار بأنهم ليسوا كلهم كذلك , و أيضا فإن أطقم التمريض هم أيضا من ملائكة الرحمة , مع نفس الإقرار أنهم ليسوا كلهم كذلك .
و خلال الفترة التى عملتها بالمستشفى نبتت أفكار سأتكلم عنها فى السطور القادمة , مع التنويه بصلاحية كل منها كفكرة لمقال مستقل فيما بعد إن شاء الله .
(2)
ينطوى هذا المستشفى على حكايات كثيرة لا أول لها من آخر .
منها قصة إيجاده من العدم , و كيف أن نائب فاقوس الأسبق الأستاذ صلاح الطاروطى هو الذى تبرع بالأرض لكى يتم بناء مستشفى كبير يليق بفاقوس و أهلها و يقدم خدماته الطبية للمدينة و قراها , و يقال إن الذى تبرع بالأرض هو والده و الفارق ليس كبيرا عموما , و إن كانت جامعة القاهرة تزهو بأنها كلها قائمة على التبرع : الأرض تم التبرع بها و المبانى تم التبرع بتكلفة إنشائها , فكذلك أهل مدينة فاقوس بمحافظة الشرقية لديهم ما يماثل ذلك من دواعى الفخر .
و لقد دار حوار بينى و بين أحد أبناء مدينة ” أبو كبير ” فى عام 2011 أثناء ركوبنا للقطار العائد بنا من الزقازيق إلى فاقوس مرورا على ” أبو كبير ” , فقد قال هو إن فاقوس لم تحظ بأن يكون منها وزراء مثلما حدث مع ” أبو كبير ” , فقلت له : ذلك صحيح , لكن كل من كبر و أصبح شيئا من أبناء فاقوس فى أى مجال فقد وضع بصمته ضمن سباق لا حواجز فيه من أجل خدمة فاقوس و أهلها , و لذلك لا مقارنة بين فاقوس من ناحية و بين أى من باقى مدن محافظة الشرقية , و ذلك بفضل الخدمات الجليلة التى قدمها النابغون و النابهون من أبناء فاقوس لبلدهم و منهم ذلك المتبرع بأرض هذا المستشفى .
و من تلك الحكايات قصة ممرضة خريجة كلية التمريض منذ بضعة عشر عاما و أنا أعرفها جيدا , فعندما بدأت دراستها فى السنة الأولى بكلية التمريض تقدم لخطبتها شاب معروف عنه أنه يستطيع الزواج فى الغد لو أراد , خاصة أنه هو الذى يشغّل ورشة تقطيع الخشب الخاصة بوالده , و بالرغم من إن والد العروس قد اشترط أنه لن يحدث زفاف قبل أن تنتهى إبنته تماما من دراستها , و أن هذا الكلام محسوم و لا تفاوض فيه , فإن الشاب وافق و تمسك بخطيبته التى غالبا قد رأى فيها نموذجا لنوعية فاخرة من النساء يجب ألا يضيعها من يديه , المثير فى المسألة أن العروس قد رسبت فى السنة الأولى ! و كان الأمر محبطا و صعب التحمل خاصة أن المشوار كان مايزال طويلا , لكن العريس كان مصرا على الارتباط بتلك الفتاة , و بالفعل أتمت العروس دراستها و انتهت قصة الحب تلك بالنهاية السعيدة , و لقد كنت رأيتها آخر مرة منذ بضعة عشر عاما و هى تحمل طفلا , ذلك الطفل هو ثمرة قصة حب و كفاح و صبر و ثبات كثبات الجبال .
و من تلك الحكايات قصص كثيرة لأطباء لم يصبحوا كذلك بسهولة أو بشكل روتينى , بل كانت لكل منهم قصة !
منهم الذى كانت أمه ممرضة بمستشفى المنصورة , و كان أخيها الأصغر طبيبا حديث التخرج أو مايزال بكلية الطب حسبما أذكر , و لقد كتبت أقلام القدر أن يموت ذلك الطبيب الصغير فى حادث سير , فتنذر أخته الكبرى الممرضة لله أن تبذل كل جهد حتى يصبح إبنها الصغير المتفوق طبيبا فى المستقبل , و لقد كان مستواه مبشرا منذ الصغر حتى أنه فى نهاية المرحلة الإعدادية كان الثانى على مدرستنا فى ظل منافسة لفرط شراستها تهرب منها الأفاعى إلى جحورها ! ثم بعد أن ظهرت نتيجة نهاية المرحلة الثانوية إذا به يحصل على مجموع قليل لم يؤهله إلا لدخول كلية الزراعة , فأصرت أمه على أن يقوم بتحسين مجموعه فى العام التالى , و بالفعل قام بتحسين مجموعه لكنه لم يحصل على أعلى من كلية الطب البيطرى طبقا لتنسيق القبول بالجامعات , فأصرت أمه على أن يقوم بتحسين مجموعه مرة أخرى , و لم تقنع بأنه بعد تخرجه من كلية الطب البيطرى سيقال له ” يا دكتور ” على كل حال ! و هددت بترك البيت إذا لم يتم لها ما أرادت و هو دخوله كلية الطب البشرى فقط و حصريا , و بالفعل دخل إبنها كلية الطب البشرى و هو الآن متخصص فى تخصص نادر .
و زميل آخر لنا فى المرحلة الثانوية دخلت أخته الكبرى كلية الطب ثم لما ظهرت نتيجته لم يحصل على ما يؤهله لدخول تلك الكلية , فتألمت أمه من أن البنت ستصير طبيبة بينما الولد لن يحظ بذات المستقبل , فأصرت على أن يقوم بتحسين مجموعه , و بالفعل دخل كلية الطب فى العام التالى لكنه فى السنة الأولى رسب فى خمسة مواد دفعة واحدة ! ثم نجح فيها جميعا فى الدور الثانى , و هو الآن من الجراحين المعروفين بالمدينة كلها .
قصص كثيرة تحكيها جدران و حوائط هذا المستشفى , كلها قصص كفاح و صبر و مجهود تكلل بالنجاح , و كم من طبيب مدين لأمه بالفضل فى كونه طبيبا , و لولا أمه التى آمنت بقدراته ما أصبح فى تلك المهنة المرموقة .
يتبع …..