تراجع النمو ليس استراتيجية مستدامة لتفادي كارثة بيئية. ينبغي للإنسانية أن تحمي نفسها من تغير المناخ ليس عن طريق الحد من النشاط الاقتصادي، بل من خلال جعل هذا النشاط أكثر مرونة، وقوة، واستدامة .
الواقع أن المخاطر المرتبطة بتغير المناخ، على الرغم من تصاعدها تدريجيا، لا تقل جسامة عن تلك التي تفرضها جائحة كوفيد-19. ورغم أن المجتمع الدولي يركز جهوده بحق على الأزمة الصحية والاقتصادية المباشرة، فلا ينبغي له أن يغفل عن هذا التهديد
فقد دَفَـعَـت جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19 COVID-19) النشاط الاقتصادي والاجتماعي في مختلف أنحاء العالم إلى التوقف شبه الكامل. ونتيجة لهذا، سجلت الانبعاثات من غاز ثاني أكسيد الكربون انخفاضا حادا، وأصبحت السماء فوق بعض المدن الضخمة نظيفة وصافية للمرة الأولى منذ عقود من الزمن
سياسات المناخ يتعين علىها أن تعالج أيضا قضايا أخرى ذات صِلة وأن تستخدم مجموعة متنوعة من الأدوات.
إن تسعير الكربون ليس علاجا لكل داء. لكن أسعار النفط الشديدة الانخفاض اليوم، بدلا من أن تثبط الاستثمار في الطاقة النظيفة، تعرض علينا فرصة مثالية لتعزيز عنصر التسعير في مجموعة الأدوات المستخدمة وضمان توجيه التعافي بعد الجائحة نحو المساعدة في إنشاء اقتصاد قادر على الصمود والتكيف مع المناخ في الأجل البعيد.
ما يدعو إلى التفاؤل أن الانخفاض السريع الذي طرأ على تكلفة التكنولوجيات الخضراء في السنوات الأخيرة زاد من القدرة التنافسية التي تتمتع بها الطاقة النظيفة المتولدة من مصادر مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وما دام صناع السياسات قادرين على خلق توقعات جديرة بالثقة بتحقيق أرباح طويلة الأجل من خلال الالتزام بمعايير بيئية قوية وتوفير إطار طويل الأجل لإلغاء إعانات دعم الوقود الأحفوري، فمن المرجح أن يكون المستثمرون على استعداد لتحمل تكاليف الاستثمارات الخضراء الثابتة.
الواقع أن هذه التطورات التكنولوجية تعني ضمنا أن المقايضة بين حماية المناخ والتقدم الاقتصادي أصبحت أصغر كثيرا مما كنا نعتقد سابقا. فحتى عندما تستبعد حسابات التكاليف والفوائد العوامل الخارجية السلبية المباشرة، مثل تلوث الهواء، التي تنشأ عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فمن الواضح أن الاستثمار الأخضر أصبح مجديا من الناحية الاقتصادية. بل إن مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح البرية أصبحت مؤخرا الخيار الأرخص في قسم كبير من العالم.
ولكن يبقى أن نرى ما إ ذا كان من الممكن الحفاظ على هذه القدرة التنافسية في مواجهة انهيار أسعار الوقود الأحفوري نتيجة للجائحة. فقد انخفض سعر الخام الأميركي القياسي إلى ما دون 20 دولارا للبرميل في أواخر إبريل وهذا أدنى مستوياته منذ عام 1999. كما شهد سعر الغاز الطبيعي انخفاضا كبيرا. ورغم أن أسعار النفط ربما تتعافى بشكل طفيف مع قيام المنتجين بخفض الإنتاج، فمن المرجح أن تظل منخفضة لبعض الوقت.
وعن بروجيكت سنديكيت.
إن التعافي من الانهيار الاقتصادي الناجم عن الجائحة يتطلب استثمارات جديدة ضخمة في مختلف أنحاء العالم. الواقع أن تقرير مصير كوكب الأرض في المستقبل و تُـرسي الأساس لنمو مستدام وقادر على الصمود.
فجعل ضريبة الكربون مرنة عن طريق ربطها بسعر النفط من شأنه أن يمكنها من العمل كأداة تلقائية لتثبيت الاستقرار. على سبيل المثال، مقابل كل زيادة بمقدار 5 دولارات للبرميل في سعر النفط، يمكن خفض ضريبة الكربون، ولكن بمقدار أقل، من أجل تخفيف التكلفة المتزايدة التي سيتحملها المستهلكون. على نحو مماثل، مقابل كل انخفاض بمقدار 5 دولارات للبرميل في سعر النفط، يمكن زيادة الضريبة بمقدار أكبر بعض الشيء
بهذه الطريقة، يرتفع سعر الكربون بمرور الوقت بما يتفق مع التقدم الإجمالي الذي تحققه سياسات المناخ”.
بطبيعة الحال، لابد أن يكون تسعير الكربون ساري المفعول عبر مختلف القطاعات والاقتصادات من أجل توفير حافز سعري مباشر لجهود تخفيف تغير المناخ واستكمال المعايير التنظيمية وغير ذلك من التدابير. على سبيل المثال، في حين يظل النفط مهيمنا في قطاع النقل، فإن الغاز الطبيعي أصبح الآن المصدر الرئيسي لتوليد الطاقة الكهربائية. لكن الغاز الطبيعي، على الرغم من كونه أنظف كثيرا من زيت الوقود، يظل يطلق انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ويتوجب علينا أن نستعيض عنه بمصادر الطاقة المتجددة لتحقيق صافي الانبعاثات صِفر. وحتى إذا حلت المركبات الكهربائية محل السيارات والشاحنات التي تعمل بالبنزين بالكامل، فإنها لن تكون نظيفة إلا بقدر نظافة الكهرباء التي تزودها بالطاقة .

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي