مقال رأي بقلم د.محمد عبد العزيز
كاتب وباحث اقتصادي ومتخصص في الشئون الأفريقية
شر البلية ما يضحك هو ما يمكن أن أستهل به مقالي لوصف قصة قصيرة حدثت بالفعل في الواقع السياسي الأمريكي بالأمس وهي قصة غير مُحبكة وغير سعيدة للولايات المتحدة الأمريكية ، ومن مفارقات الكوميديا السياسية أن يحدثني أحد العرب في الولايات المتحدة الأمريكية ليؤكد لي بزهو وفخر بأن العرب يدعموا الرئيس ترامب ومؤيديه حول مبنى الكونجرس الأمريكي فأنفجرت في الضحك لأقول له هل وجدتم مع المتظاهرين الأمريكيين وجبات الفول والفلافل من مطاعم جاد في مصر لتقول هذا الكلام أم وجدتم المتظاهرين يشربوا القهوة العربي الخليجية في خيام بجوار مبنى الكابيتول . واختصارا لا يخفى على أحد أن مجيء ترامب كان عليه العديد من علامات الاستفهام وأؤكد بلا أي شك أن أيضا مجيء بايدن عليه العديد من علامات الاستفهام ، تعد طريقة تأثير الفيسبوك على الجماهير في الانتخابات التي فاز بها ترامب سواء بدعم من روسيا أو بدون دعم من روسيا هو أمر فيه جدال كبير وأيضا هناك فيديوهات كثيرة تثير الجدل حول تدخل الموظفين المشرفين على الانتخابات في انتخاب بايدن الكبير في السن ذو المشاكل الصحية خاصة وأن الانتخاب تم جزء كبير منه بالبريد الالكتروني والبريد التقليدي بسبب كورونا وأصبح هناك تحالف أمريكي قوي لا يدعم ترامب نظرا لأنه لا يلتزم بتقاليد العمل السياسي الأمريكية المتعارف عليها سواء في الحزب الجمهوري أو الحزب الديموقراطي وحتى أنه لا يلتزم بالمتعارف عليه في أروقة المؤسسات الوطنية الفيدرالية لذلك فإن ترامب لم يجد من يقف إلى جواره في تشكيكه الدائم في كيفية التأثير على نتيجة الانتخابات الرئاسية بما يسمح بفوز بايدن ويجب تذكير ترامب ذاته أن معارضي فوزه بالانتخابات الرئاسية منذ أربع سنوات كانت لديهم نفس علامات الاستفهام حول فوز ترامب لكنهم لم يستخدموا الا الطرق القانونية والديموقراطية فقط ضد ترامب . ولا يستبعد العديد من قراء المشهد الأمريكي أن اقتحام مبنى الكونجرس الذي جاء على هذا النحو بالأمس بإيعاز وتسهيلات من التحالف الأمريكي ضد ترامب منعا لأي فرصة لتعطيل تسليم السلطة لبايدن وللقضاء على أي آمال لدى ترامب في أن يعاود الترشح للرئاسة مرة أخرى بعد أربع سنوات من الآن خاصة وأن اقتحام مبنى الكونجرس جاء دون مقاومة من الشرطة أو أمن المبنى إلا بعد وقت متأخر من الاقتحام وسقوط ضحايا وتصوير المقتحمين داخل مكاتب وأروقة مبنى الكونجرس في صورة الغوغاء والارهابيين والذين لا يمكن الرضوخ لهم على حساب ديموقراطية وقوة الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها ثم جاء انعقاد الكونجرس سريعا وفي ظل تلك الظروف وبعد اقتحام الكونجرس وفي وقت متأخر من الليل لاتمام الاعتراف بنتيجة الانتخابات وتنصيب بايدن مع تعليق الفيسبوك وتويتر لصفحات ترامب واستقالات عديدة من موظفي البيت الأبيض وأصبح مايك بينيس نائب ترامب هو الرئيس الفعلي حيث أنه هو من أمر بتدخل قوات الحرس الوطني الأمريكي لحماية مبنى الكونجرس وأصبح ترامب في عزلة حقيقية ومعرض للعزل والمحاكمة أيضا ً بالرغم من أن ترامب كان يدعو مؤيديه للتعبير عن رفضهم لسرقة الانتخابات الرئاسية لكنه لم يدعوهم إلى اقتحام مبنى الكونجرس ولم يدعوهم إلى أعمال الشغب بل بادر بنشر مقطع فيديو يدعو فيه مؤيديه للرجوع إلى منازلهم وعدم استخدام نفس وسائل الطرف الآخر غير القانونية وهو يقصد التحالف السياسي ضد شخصه وضد بقائه في السلطة وبقائه في البيت الأبيض ولو أن هذا الاقتحام مخطط له جيدا لخدمة مصالح ترامب لكان الهدف الأساسي هو إتلاف ملفات التصويت لصالح بايدن داخل مبنى الكونجرس وهو ما لم يتم فكان الهدف من الاقتحام تشويه صورة ترامب وصورة مؤيديه فهذا انقسام داخل البيت الأمريكي والانقسام موجود من قبل مجيء ترامب إلى السلطة وسواء بتدخل من أجهزة استخبارات روسيا والصين أو بدون تدخل تلك الأجهزة فإن الداخل الأمريكي منقسم والرجل الأبيض البروتستانتي الذي يمثله ترامب أصبح يشعر بأنه مهمش في مقابل زيادة نفوذ الأمريكان الأفارقة والمهاجرين من الهند وباكستان والمهاجرين من أمريكا الجنوبية والمهاجرين العرب واليهود ، لا يخفى على أحد أن اختيار الحزب الديموقراطي بايدن رغم سنه الكبير ومشكلاته الصحية يعبر عن توجه لجذب الرجل الأبيض البروتستانتي المؤيد للرئيس ترامب لكن بايدن لديه نائب رئيس من أصول هندية وهي أمرأة وهو ما يرفضه تماما الرجل الأبيض البروتستانتي الذي يعتبر نفسه النموذج الحقيقي للمواطن الأمريكي وليس المهاجرين من القوميات والعرقيات والمعتقدات الدينية الأخرى وهذا كان أحد أسباب قيام الرئيس ترامب برفع الانجيل أثناء أحد خطاباته ليذكر مؤيديه ومعارضيه بقيم قطاع عريض من الشعب الأمريكي يشعروا بتغيير في المجتمع الأمريكي بشكل يهدد بقاء ونقاء العنصر الأوروبي البروتستانتي الأصيل في تكوين المجتمع الأمريكي وفقا لوجهة نظر هذا القطاع الكبير من المجتمع الأمريكي . وفي عجالة منعا للإطالة أود أن أقول إن المجتمع الأمريكي سوف يتخطى أزمة وصول ترامب للحكم بكل ما فيها وما لها وما عليها لكن هناك عدة تساؤلات هامة يجب طرحها مثل :- . هل بايدن سوف يكون امتدادا للمشروع الأمريكي الذي ساد أثناء تولي أوباما الحكم دون أي تغيير ؟ . هل بايدن سوف يمتد به العمر لإنهاء الأربع سنوات القادمة وهل ستمر تلك الفترة دون مشكلات وانقسامات حادة في الداخل الأمريكي وهل يمكن أن يترشح مرة أخرى لأربع سنوات جديدة ؟ . هل عند وفاة بايدن أو حدوث أي مشكلات صحية تمنعه من ممارسة عمله كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية هل سيتقبل الشعب الأمريكي بكل جموعه وطوائفه نائب الرئيس المرأة من أصول هندية ؟ . هل محاولة تعقب الرئيس ترامب وأفراد عائلته قانونياً بعد نهاية ولايته سوف تتم بسلام أم ستحدث صدامات بين الأمن الأمريكي ومؤيدي ترامب من جديد ؟
كيف سيتعامل العالم خاصة روسيا والصين وأوروبا مع الواقع الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية والمرشح له المزيد من الانقسامات والمزيد من المفاجآت والتقلبات في السنوات القادمة ؟ وختاما لن أستطيع الإجابة على تلك الأسئلة بمفردي فهذا مجهود جهات بحثية ومراكز استطلاع للرأي وتحليل للعديد من المعلومات الأمنية والسياسية مع الربط بينها جميعا لخلق رؤية شاملة يمكن من خلالها تكوين توقعات محددة تجيب على تلك الأسئلة وغيرها من الأسئلة ولكن يمكنني أن أؤكد للقارئ الكريم أن الولايات المتحدة الأمريكية قبل ترامب لن تكون كما كانت بعد ترامب وأن الولايات المتحدة الأمريكية بعد اقتحام الكونجرس لن تكون كما كانت بعد اقتحام الكونجرس لأنه إذا كان مجيء ترامب وسلوك ترامب طوال أربع سنوات عليه علامات استفهام عديدة فإن مجيء بايدن وسلوك التحالف الداعم له ضد ترامب عليه العديد من علامات الاستفهام أيضا أي أن المدافعين عن وحدة الولايات المتحدة الأمريكية خوفا من سلوك ترامب في أحداث شق في البيت الأمريكي هم من يقوم بتقوية الشرخ وزيادة فرص الإنقسام بدعوى حماية الديموقراطية وحماية الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها دون أي محاولة جادة منهم لاحتواء الرجل الأبيض البروتستانتي في الداخل الأمريكي لذلك فإن الشرخ داخل البيت الأمريكي سوف يزداد يوما بعد يوم بما يهدد وحدة الولايات المتحدة الأمريكية ويطرح أسئلة عديدة حول تقسيم الولايات المتحدة الأمريكية ومن ثم مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية ومستقبل العالم حال تقسيم دولة عظمى دولة نووية دولة تقود العالم في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وسوف تجيب الأيام والسنوات المقبلة على كل تلك الأسئلة بالايجاب أو النفي وتثبت صحة بعض التوقعات وخطأ البعض الآخر ، الشيء الوحيد المؤكد حاليا ويمكن البناء عليه عند طرح الأسئلة أو محاولة بناء التوقعات حول المستقبل هو أن الداخل الأمريكي ليس متماسكا وليس متجانسا كما يظن البعض وأن الولايات المتحدة الأمريكية دولة مثلها مثل باقي الدول لديها العديد من المشاكل الداخلية بما يعوق التعاون والتنمية وهناك في الداخل الأمريكي إختلاف في وجهات النظر حول الدستور الأمريكي وعملية الانتخاب التي يتم بها اختيار الرئيس الأمريكي وهناك اختلافات حادة في الرأي داخل المجتمع الأمريكي حول ما يجب أن تكون عليه مكانة كلا من الرجل الأبيض البروتستانتي والرجل الأمريكي الإفريقي والرجل الأمريكي المهاجر ، وختاماً فإني أتوقع ظهور حزب سياسي جديد في الولايات المتحدة الأمريكية قادر على التعامل مع مستجدات الوضع الإجتماعي والسياسي في الداخل الأمريكي بحيث يكون قادر على تلبية احتياجات قطاع عريض من الشعب الأمريكي من الرجل الأبيض البروتستانتي بشكل يحقق مصالح بقية قطاعات المجتمع الأمريكي ودون مزايدات من بعض ممثلي الحزب الديموقراطي ودون استعلاء من بعض ممثلي الحزب الجمهوري وإلا فإنه سوف تتصاعد الدعوات بتقسيم الولايات المتحدة الأمريكية عاجلاً أم آجلاً .

More Stories
صيدلة المنوفية على خط التحديات… كيف يدير د. إيهاب بنداري ملف المهنة بين الأزمات والتطوير؟
حين يتحوّل الحنان إلى سلاح
ست سنوات من الغياب وأنا أبحث عن حضنك