بقلم د.محمد عبد العزيز
كاتب وباحث اقتصادي ومتخصص في الشئون الأفريقية
تأتي القمة الثلاثية التي تجمع بين رئيسي العراق ومصر وملك الأردن تطبيقا لما تم الإتفاق عليه في قمة أغسطس الماضي بالعاصمة الأردنية عمان والتي شارك فيها القادة الثلاثة لتدشين مشروع الشام الجديد لبداية عصر جديد من التعاون والمصالح المشتركة التي تتحدى الوضع الجيوسياسي المضطرب في الشرق الأوسط والذي يشهد أطماع القوميات غير العربية في الأراضي والمصالح العربية من طرف كلا من إسرائيل وتركيا وإيران . يعتبر مشروع الشام الجديد مشروع اقتصادي على غرار التعاون الأوروبي ويجمع المشروع العربي القاهرة وبغداد وعمان بهدف تكوين تكتل إقليمي قادر على مواجهة التحديات الإقليمية وتعظيم المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدول الثلاثة والمنطقة ككل حيث يوفر المشروع فرص اقتصادية واستثمارية عديدة لتحسين الأوضاع المعيشية والاجتماعية للمواطنين في البلدان الثلاثة ويعيد المشروع الأهمية الجغرافية والسياسية للبلدان الثلاثة في مواجهة التحديات التي تفرضها الأطماع الإقليمية والدولية في تلك البلدان وفي المنطقة ككل . تعتمد فكرة المشروع على القوى البشرية الكبيرة لدى مصر والثروة النفطية الكبيرة لدى العراق وتنضم لهما الأردن بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط العراق بمصر ويعد مشروع الشام الجديد نواة لتكتل أكبر قد يضم دول عربية أخرى بهدف توسيع دائرة المصالح العربية المشتركة ومن ثم توسيع دائرة الاعتدال السياسي العربي بالمنطقة أمام أطماع غير العرب في الدول العربية وأمام تيارات التطرف في المنطقة . يحمل مشروع الشام الجديد رؤية لخريطة جيوسياسية جديدة لمنقطة الشام ككل والشرق الأوسط بالكامل خاصة مع إمكانية تعزيز المصالح مع دول عربية أكثر سواء بانضمامها للتحالف أو بارتباطها ارتباط مصالح جغرافية وسياسية واقتصادية حتى دون وجودها كعضو في التحالف خاصة وأن الدول العربية في الفترة الحالية والمستقبل القريب في حاجة لتوطيد علاقات التعاون وزيادة الروابط والمصالح المشتركة أمام كافة التحديات التي تواجه المنطقة ككل . يعتمد مشروع الشام الجديد على تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الثلاث حيث يُصدر العراق النفط بأسعار تفضيلية إلى الأردن عبر خط النفط العراقي الأردني الجديد ومنه وإلى مصر عبر ميناء العقبة الأردني مقابل تزويد العراق والأردن بالطاقة الكهربائية من مصر مع الاستعانة بالكوادر والعمالة المصرية ويزيد المشروع من فرص تدفق الاستثمارات إلى الدول الثلاث خاصة العراق بعد توفير الكهرباء لها . يتخطى الناتج المحلي الإجمالي لكل من العراق ومصر والأردن مجتمعين معا ٥٠٠ مليار دولار وتتخطى الكثافة البشرية في الدول الثلاث حاجز ١٥٠ مليون نسمة وفي ظل تنامي التعاون السياسي والاقتصادي من خلال مشروع الشام الجديد سوف يزداد مستوى الاستثمار المباشر والتبادل التجاري المشترك بين الدول الثلاث بالإضافة إلى البحث والتعاون المشترك بينهم في القضايا الإقليمية والأمنية المشتركة . ويمكن إبراز فكرة التعاون في مشروع الشام الجديد من خلال مشروعين أساسين كما يلي :- .. مشروع الربط الكهربائي حيث جاري حاليا الربط بين العراق والأردن بعد أن تم الربط بين مصر والأردن ومن المتوقع الانتهاء من المرحلة الاولى لبنية الربط بين العراق والأردن في نهاية عام ٢٠٢٢ وبذلك يكون تم اتصال الشبكة الكهربائية بين البلدان الثلاث بما يؤدي إلى تصدير ١٠٠٠ ج.و/ساعة سنوياً من الأردن إلى العراق بالتزامن مع تحديث واصلاح شبكة كهرباء العراق الداخلية مع الربط الكهربائي بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي والذي سيكتمل في نفس العام ولدى العراق مشاريع أخرى لانشاء محطات توليد كهرباء في منطقتي المثنى وسامراء. .. مشروع خط النفط البصرة سيناء مروراً بالأردن وهو مشروع ذو أهمية كبيرة حيث سيوفر للعراق منافذ تصدير جديدة تلبي متطلبات الرغبة في زيادة الانتاج اليومي ليصل الى ٧ مليون برميل يومياً حيث ينتج العراق حالياً بعد اتفاق “أوبك بلس” حوالي ٤ مليون برميل يومياً وكان ينتح قبل جائحة كورونا ٤.٦ مليون برميل يومياً والعراق ثاني أكبر منتج للخام في منظمة “أوبك” بعد السعودية ومن المتوقع أن يوفر خط النفط المتفق عليه مع العراق كامل احتياجات كلا من مصر والأردن من النفط مع توفر البنية التحتية للتكرير في البلدين فضلاً عن تصدير أكثر من مليون برميل يومياً من النفط العراقي عبر منفذ العقبة البحري. وتتضح بعيدا عن الاستثمارات في مجالات الطاقة آفاق أخرى لزيادة الاستثمارات المتبادلة والمشتركة بين البلدان الثلاث في قطاعات الزراعة والمياه والصناعات الغذائية والمنتجات الكيماوية والأسمدة ومواد البناء والسلع الهندسية والإلكترونية والملابس الجاهزة والصناعات الطبية . وتتضح أهمية هذا المشروع الاقتصادي والتحالف الجيوسياسي من خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي للعراق أمس وهي الزيارة الأولى لرئيس مصري إلى العراق منذ ٣٠ عاما لبداية عهد جديد من التعاون خاصة مع دخول مصر في عمليات إعادة إعمار العراق وتعزيز قدرات مؤسساته الوطنية فضلا عن حصول مصر والأردن على أسعار تفضيلية لنفط العراق ويأتي التقارب العراقي مع الأردن ومصر على حساب التقارب الطائفي والمذهبي مع إيران والذي عزز الإنقسام والعنف والإرهاب في العراق لسنوات طويلة وجعل العراق يقف مكتوف الأيدي أمام تنظيم داعش لفترة طويلة كبدت العراق خسائر تخطت ٤٠ مليار دولار أمريكي ويقف التحالف العراقي مع مصر والأردن حائلاً أمام المزيد من التوسع التركي في الأراضي العراقية خاصة بعد رحيل القوات العسكرية الأمريكية عن العراق وفي النهاية يمكن القول بأن المشروع بمثابة طوق نجاة للعراق حيث يزيد المشروع من فرص ربط العراق بمحيطه العربي للحد من التوسعات التركية والإيرانية على أراضية والتي سببت في المزيد من الاحتقان الطائفي والخسائر السياسية والاقتصادية للعراق ويحد من تهديدات إيران لتجارة
النفط في بحر العرب ومضيق هرمز عن طريق نقل نفط العراق الى الاردن ثم إلى مصر وبذلك يكون ذلك المحور شبيه بمحور مصر وقبرص واليونان في نقل غاز شرق البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا ويتم تفويت الفرص التي تروج لها إسرائيل دائما من كونها بوابة الشرق الأوسط لأوروبا ففي الحقيقة مصر هي البوابة الحقيقية للعرب وأفريقيا إلى أوروبا ومصر عادت منذ تولي السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم إلى مباشرة دورها في حماية أمنها القومي والإقليمي من خلال رسم خرائط جيوسياسة جديدة تحد من الأطماع الإقليمية والدولية في مصر وجيرانها العرب والأفارقة .

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي