أبريل 19, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

متى يتم تفعيل قوانين الكسب غير المشروع للقضاء على الفساد ؟

 

بقلم الكاتبة / أميمة العشماوي

القضاء على الفساد بكل أنواعه أصبح الآن من أولويات الإصلاح الإقتصادى فى مصر ولعل الفساد المؤسسى هو أول هذه الأولويات فالفساد هنا ليس بالمعنى القانونى فقط وإنما المعنى الحضارى العام الذى هو عكس الصلاح والإصلاح فحالات الفشل المتوالى فساد . وانعدام الكفاءة فساد . والتخلف فساد . وتدنى مستويات الحياة وضعف الخدمات فساد .. إلخ .

إن حالة مصر منذ زمن بعيد هى تجليات متعددة للفساد بمعناه الحضارى وإن كان الأكثر ظهورا فيها هو الفساد الإدارى والمالى إلا أن الفساد العام هو الأصل والمنبع حتى للفساد القانونى فبدون ترسخ مفاهيم الفساد فى الثقافة العامة لم يكن ممكنا أن ينتشر الفساد المالى والإدارى وبدون الفساد المالى والإدارى لم يتمدد الفساد الحضارى إلى هذا المستوى وبهذا العمق .

إن الفساد فى مصر عميق ومتجذر فى النفوس بصورة يصعب معها وصفه بالفساد فقط فقد تغيرت خصائصه الجينية حتى صار هوو الصلاح متطابقين فالفساد فينا جميعا أصبح ثقافة نمارسه كنوع من تحقيق الذات من التميز من إثبات أننا مهمون وأننا أكثر براعة من الآخرين وأكثر أهمية منهم ومن طبقة أعلى منهم الفساد فينا جميعا وبدون إستثناء من التقى النقى إلى المجرم الفاسد .

ومن هنا التأمل فى سلوكياتنا جميعا ـ من منا لايشعر بالنصر والفوز وتحقق الذات حينما يحصل على الخدمة متجاوزا طابور المنتظرين . من منا لايحب ألا يكون له معرفة أو صديق أو قريب فى كل مصلحة ومؤسسة يريد أن يتعامل معها حتى يقضى مصلحته من خارج النظام إذا كان هناك نظام ؟. من منا لايحب ألا يتهرب من الحق العام سواء كان ضرائب أو جمارك أو شيئا آخر ؟ من منا لايحب أن يحصل على أكثر من حقه فى أى سلعة أو خدمة مدعومة من المال العام ؟ من منا لايتمنى أن يحصل على أرض أو شقة من المال العام وبسعر رمزى حتى لو كان مقتدرا ؟ بهذا المعنى نجد الكثيريين فاسدون وهذا هو الفساد الحضارى .

فى مصر كم هو ممتع حقا أن تخالف القانون . أن تسير فى الإتجاه المعاكس فى كل الطرق . أن تسلك الطريق الأقصر حتى وإن كان ممنوعا السير فيه . أن تمارس الرشوة وتسميها إكرامية . هذا هو الفساد الحضارى أيضا ولى سؤال إن لم يكن كل ذلك فسادا فما هو الفساد ؟

قد يكون من المستحيل تعداد تجليات الفساد فى ثقافتنا ورصد نماذجه وحالاته لذلك هذا الفساد العام العميق يستحيل القضاء عليه مرة واحدة أو مواجهته مواجهة شاملة فمواجهة هذا النوع من الفساد تحتاج إستراتيجيات معقدة وأهم معالمها البدىء فى إصلاح فساد الأخلاق أولا وإحترام القانون وتنفيذه على الجميع المليونير القادر قبل الفقير . إعتماد نماذج الإحلال والإستبدال سواء المؤسسى أو البشرى بأن يتم تأسيس مؤسسات موازية أو إحلال كوادر بشرية بديلة . إعتماد منهج جديد فى الخدمة المدنية يقوم على التدريب والإنجاز ويلغى فكرة الوظيفة الدائمة . الفصل بين ملكية المؤسسات أو تبعيتها وبين إداراتها .مراجعة اللوائح والقوانين المنظمة للعمل الإدارى بصورة دورية . والأهم من كل ذلك جدية تفعيل قوانين الكسب غير المشروع وتحديث قوانيه للقضاء على التلاعب الذى يلجأ إليه المتلاعبون كى يكونوا ثروات غير مشروعة ليست من حقهم بل من حق الشعب كله فقد آن الأوان القضاء على كل ألوان وأنواع الفساد ومحاسبة المفسد أيا كان فالقضاء على الفساد من المنبع هو نجاح منظومة الإصلاح ذاته فهل هذا مستحيل ؟