مكثت” شمس” في بيت أبيها البالي تفكر عما حدث لمنزلهم الذي هدم على أثر الشتاء في ليلة عاصفة،وٱنتابها شعورا من الحزن كادت أن تختنق منه،فنصحتها ” زينب” بالذهاب إلى روضتهم ألا وهي حقلهم الذي حصلوا عليه على أثر ثورة يوليو فهو الشئ الوحيد الذي يمتلكونه بعد زوال بيتهم وفقدانهم لدارهم،قبلت شمس نصيحة ” زينب” وذهبت إليه وأحضرت المياه من ترعة المنصورية لتروي شجر الكافور التي زرعته بأيدها وسمت كل شجرة على إسم إبن من أبنائها،وحينئذ مرت ” نعمة” بالكلته وهي عائدة من مدرستها فلمحت ” شمس” بالحقل فطلبت من سائق الكلته أن يقف ونزلت للمكوث مع ” شمس” في الحقل وإنصرف السائق ومصطفى الذي إعتاد أن يصطحبها فى الطريق للوصول إلى عمله في بنك التسليف الزراعي،نظرت ” نعمة” في وجه أمها الشاحب وهي تضع يدها على رأسها ثم قالت اهدئي يا أمي ولك معي شئ يبهجك ويخفف من ألامك،ألا وهو خطاب أرسله” إبنها إبراهيم لهم على مدرسة” نعمة” ليطمأنهم عليه وهو على جبهة القتال،وكان فحوى الخطاب :
ذهبت إلى الجبهة وأنا لا أدري ماذا بها،لقد كانت علاقتي بالمدفع علاقة سطحية لأني حملته لأول مرة في العدوان الثلاثي مع عمي ” شوقي” في بور سعيد،لكني اليوم تسلمت سلاحا ووجدت جنودا طعامهم ثرى بلدهم وزادهم هو نصرهم يقفون كالأسود ولايبالوا بأي شئ سوى الإستشهاد أو النصر،مكثت معهم وشعرت بالأنس والود كأنهم أخوة من أم واحدة هي مصرنا الحبيبة،عندما قرأت” نعمة” الخطاب ” لشمس” إلتقطته من يدها كالذي يلتقط قطرة المياه في الصحراء القاحلة وضمته إلى صدرها وأخذت تقبله قائلة شئ أراح نفسي. في وسط هذه العتمة الحالكة.
علم جلال بما حدث لزينب ومنزلهم وأنهم أصبحوا بلا مأوى والنقود التي وفرتها هي ” ومحمد” أخيها أنفقوها في خلو شقة العباسية ” لمحمد” ليتزوج فيها ” ناني” التي طالت خطبتهما،فهم الأن بلا نقود ولاتدري ماذا تفعل علاوة على تجنيد” إبراهيم” أخيها الصغير ،حتى ” نعمة” راتبها يادوب على الكلته وعلاجها وطبيب المركز وملابسها وبعض الأغراض الضرورية للمنزل،فأجابها ” جلال بأن كل شئ له حل عن قريب،يفعل الله الخير إن شاء الله،إنصرف ” جلال” وذهبت ” زينب” في الصباح الباكر إلى مدرستها التي تعمل بها فوجدت شيئا غير معتاد يحدث،حالة من السرور والبهجة والتهاني تنهال عليها من قبل المعلمات ويباركون لها وهي لاتدري على أي شئ فقد خطبت منذ فترة وتقبلت التهاني مسبقا، تنهدت بإبتسامة فاترة تنم عن دهشتها لما يحدث فقالت لها المديرة ألف مبروك “يازينب” لقد وقع عليكي الإختيار إلى بعثة للعمل بالجزائر الشقيقة بعد تحريرها من الإحتلال الفرنسي وحرصهم على نشر اللغة العربية التي طمست على يد الإحتلال بسيطرة اللغة الفرنسية التي جعلوها اللغة الأولى في جميع المدارس،جلست زينب على المقعد في حجرة المديرة وهي واجمة من هول المفاجأة وبعد إلتقاط أنفاسها قالت للمديرة أهذا صحيح!والله أنا لا أتحمل هذا المزاح لأنه في غير وقته وعندي ظروف صعبة في المنزل فأخبرتها المديرة بجدية الأمر ووضعت خطاب البعثة في يدها المرتعدة لم تقدر ” زينب” على قرأته لكنها أيقنت أنه يقين.
حقق ” فريد” صديق ” محمد وعلي وعده بعمل ” إيلين ” الألمانية زوجة ” على” في التدريس لأبناء الجالية الألمانية الموجودة في السفارة بالقاهرة،سعدت” إيلين” بالخبر لأنها كانت تمل من الجلوس بمفردها صامته لعدم معرفتها للحوار بالغة العربية ولا الإنجليزية التي تجيدها بعض سيدات الطبقة الراقية مما صعب عليها المكوث في القاهرة حيث زوجها” علي” وإبنتها ” فاطمة” التي كانت تنوي الرحيل إلى موطنها بإصطحاب فاطمة” إبنتها،شكرت” إيلين” “محمد” لأنه صاحب فكرة عملها بمساعدة صديقهم” فريد” وأخبرته بأنها سوف ترد له الجميل وتتدخل لمصالحته على ” ناهد” خطيبته لأنها علمت بما حدث،وبالفعل قامت بالإتصال ” بناني” بفيلا جاردن سيتي وأخذت منها موعدا وفي مساء اليوم التالي إصطحبت إبنتها ” فاطمة” وذهبت إلى ” ناني” وجلست معها في حديقة المنزل حيث الربيع بنسائمه العطرة الفواحة وصوت عصافيره المغردة وهي قائلة ما أجمل الربيع في مصر كله دفء ويأتي بعد ليالي الشتاء القارصة أرجو منك “يا ناني” أن تكوني مثل الربيع وأن ماحدث بينك وبين محمد” ليلة ممطرة وولت من حيث أتت،وأن يجمعكم حبا كبيرا وما حدث من محمد سوى رد فعل على إهانتك له وكبريائه وجرح كرامته بتذكيره بماض ليس له يد به سوى قدره وهو أسف لما حدث وسوف تصفوا نفوسكم بعد أن هدأت ونذهب سويا إلى حفل جمعية خيرية بعد غد بحضور ” محمد وعلي للمصالحة بينكما.
هل تقبل ” زينب الإعارة كوسيلة للحصول على النقود والخلاص من الفقر؟
وماذا بعد مصالحة” ناني ومحمد؟
وهل أبلى إبراهيم بلاء حسنا في الجيش؟
فكروا معي إلى اللقاء في الجزء الثالث والعشرين من شمس الأصيلة.

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي